فهرس الكتاب

الصفحة 5332 من 6606

وأقول هذا المسكين الجاهل إنما وقع في أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف حقيقة المثلين وعلماء التوحيد حققوا الكلام في المثلين ثم فرعوا عليه الاستدلال بهذه الآية فنقول المثلان هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته وتحقيق الكلام فيه مسبوق بمقدمة أخرى فنقول المعتبر في كل شيء إما تمام ماهيته وإما جزء من أجزاء ماهيته وإما أمر خارج عن ماهيته ولكنه من لوازم تلك الماهية وأما أمر خارج عن ماهيته ولكنه ليس من لوازم تلك الماهية وهذا التقسيم مبني على الفرق بين ذات الشيء وبين الصفات القائمة به وذلك معلوم بالبديهة فإنا نرى الحبة من الحصرم كانت في غاية الخضرة والحموضة ثم صارت في غاية السواد والحلاوة فالذات باقية والصفات مختلفة والذات الباقية مغايرة للصفات المختلفة وأيضًا نرى الشعر قد كان في غاية السواد ثم صار في غاية البياض فالذات باقية والصفات متبدلة والباقي غير المتبدل فظهر بما ذكرنا أن الذوات مغايرة للصفات إذا عرفت هذا فنقول اختلاف الصفات لا يوجب اختلاف الذوات البتة لأنا نرى الجسم الواحد كان ساكنًا ثم يصير متحركًا ثم يسكن بعد ذلك فالذوات باقية في الأحوال كلها على نهج واحد ونسق واحد والصفات متعاقبة متزايلة فثبت بهذا أن اختلاف الصفات والأعراض لا يوجب اختلاف الذوات إذا عرفت هذا فنقول الأجسام منها تألف وجه الكلب والقرد مساوية للأجسام التي تألف منها وجه الإنسان والفرس وإنما حصل الاختلاف إنما وقع بسبب الاختلاف في الصفات والأعراض فأما ذوات الأجسام فهي متماثلة إلا أن العوام لا يعرفون الفرق بين الذوات وبين الصفات فلا جرم يقولون إن وجه الإنسان مخالف لوجه الحمار ولقد صدقوا فإنه حصلت تلك بسبب الشكل واللون وسائر الصفات فأما الأجسام من حيث إنها أجسام فهي متماثلة متساوية فثبت أن الكلام الذي أورده إنما ذكره لأجل أنه كان من العوام وما كان يعرف أن المعتبر في التماثل والاختلاف حقائق الأشياء وماهياتها لا الأعراض والصفات القائمة بها بقي ههنا أن يقال فما الدليل على أن الأجسام كلها متماثلة فنقول لنا ها هنا مقامان

المقام الأول أن نقول هذه المقدمة إما أن تكون مسلمة أو لا تكون مسلمة فإن كانت مسلمة فقد حصل المقصود وإن كانت ممنوعة فنقول فلم لا يجوز أن يقال إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك أو العرش أو الكرسي ويكون ذلك الجسم مخالفًا لماهية سائر الأجسام فكان هو قديمًا أزليًا واجب الوجود وسائر الأجسام محدثة مخلوقة ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يسقطوا هذا الإلزام عن المجسمة لا يقدرون عليه فإن قالوا هذا بالطل لأن القرآن دلّ على أن الشمس والقمر والأفلاك كلها محدثة مخلوقة فيقال هذا من باب الحماقة المفرطة لأن صحة القرآن وصحة نبوّة الأنبياء مفرعة على معرفة الإله فإثبات معرفة الإله بالقرآن وقول النبي لا يقوله عاقل يفهم ما يتكلم به

والمقام الثاني أن علماء الأصلو أقاموا البرهان القاطع على تماثل الأجسام في الذوات والقيقة وإذا ثبت هذا طهر أنه لو كان إله العالم جمسًا لكانت ذاته مساوية لذوات الأجسام إلا أن هذا باطل بالعقل والنقل أما العقل فلأن ذاته إذا كانت مساوية لذوات سائر الأجسام وجب أن يصح عليه ما يصح على سائر الأجسام فيلزم كونه محدثًا مخلوقًا قابلًا للعدم والفناء قابلًا للتفرق والتمزق وأما النقل فقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى ْء فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل وعند هذا يظهر أنا لا نقول بأنه متى حصل الاستواء في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت