فهرس الكتاب

الصفحة 5338 من 6606

والمعنى أن إله الكل واحد وكل واحد مخصوص بعمل نفسه فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه فإن الله يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله والمقصود منه المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ودخل فيه التوحيد وترك عبادة الأصنام والإقرار بنبوة الأنبياء وبحصة البعث والقيامة فلما لم يقبلوا هذا الدين فحينئذٍ فات الشرط فلا جرم فات المشروط

وأعلم أنه ليس المراد من قوله لاَ حُجَّة َ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ تحريم ما يجري مجرى محاجتهم ويدل عليه وجوه الأول أن هذا الكلام مذكور فيمعرض المحاجة فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم المحاجة لزم كونها محرمة لنفسها وهو متناقض والثاني أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف الثالث أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وإنما تركوا تصديقه بغيًا وعنادًا فبيّن تعالى أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لأنهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم إلى المحاجة ألبتة ومما يقوي قولنا أنه لا يجوز تحريم المحاجة قوله وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِى َ أَحْسَنُ ( النحل 125 ) وقوله تعالى ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ ( النحل 125 ) وقوله لا تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِى هِى َ أَحْسَنُ ( العنكبوت 46 ) وقوله قَالُواْ يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ( هود 32 ) وقوله وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَاهَا إِبْراهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ( الأنعام 83 )

ثم قال تعالى وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى اللَّهِ أي يخاصمون في دينه مِن بَعْدِ مَا اسَتُجِيبَ لَهُ أي من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين حُجَّتُهُمْ دَاحِضَة ٌ أي باطلة وتلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا ألستم تقولن إن الأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف فنبوّة موسى وحقية التوراة معلومة بالاتفاق ونبوة محمد ليست متفقًا عليها فإذا بنيتم كلامكم في هذه الآية على أن الأخذ بالمتفق أولى وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى فبيّن تعالى أن هذه الحجة داحضة أي باطلة فاسدة وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجد ظهور المعجزات على وقف قوله وههنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد عليه السلام واليهود شاهدوا تلك المعجزات فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فههنا يجب الإعتراف بنبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع استوائهما في ظهور المعجزة يكون متناقضًا ولما قرر الله هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال اللَّهُ الَّذِى أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَة َ قَرِيبٌ والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والبينات وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة متى تفاجئهم ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجد ويجتهد في النظر والاستدلال ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد ولما كان الرسول يهددهم بنزول القيامة وأكثر في ذلك وأنهم ما رأوا منه أثرًا قالوا على سبيل السخرية فمتى تقوم القيامة وليتها قامت حتى يظهر لنا أن الحق ما نحن عليه أو الذي عليه محمد وأصحابه فلدفع هذه الشبهة قال تعالى يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والمعنى ظهر وإنما يشفقون ويخافون لعلمهمأن عندها تمتنع التوبة وأما منكر البعث فلأن لا يحصل له هذا الخوف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت