فهرس الكتاب

الصفحة 5381 من 6606

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من كفرياتهم التي حكاها الله تعالى عنهم في هذه السورة وهؤلاء المساكين قالوا منصب رسالة الله منصب شريف فلا يليق إلا برجل شريف وقد صدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة وهي أن الرجل الشريف هو الذي يكون كثير المال والجاه ومحمد ليس كذلك فلا تليق رسالة الله به وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه كثير المال في إحدى القريتين وهي مكة والطائف قال المفسرون والذي بمكة هو الوليد بن المغيرة والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي ثم أبطل الله تعالى هذه الشبهة من وجهين الأول قوله أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتِ رَبّكَ وتقرير هذا الجواب من وجوه أحدها أنا أوقعنا التفاوت في مناصب الدنيا ولم يقدر أحد من الخلق على تغييره فالتفاوت الذي أوقعناه في مناصب الدين والنبوّة بأن لا يقدروا على التصريف فيه كان أولى وثانيها أن يكون المراد أن اختصاص ذلك الغنى بذلك المال الكثير إنما كان لأجل حكمنا وفضلنا وإحساننا إليه فكيف يليق بالعقل أن نجلع إحساننا إليه بكثرة المال حجة علينا في أن نحسن إليه أيضًا بالنبوّة وثالثها إنا لما أوقعنا التفاوت في الإحسان بمناصب الدينا لا لسبب سابق فلم لا يجوز أيضًا أن نوقع التفاوت في الإحسان بمناصب الدين والنبوّة لا لسبب سابق فهذا تقرير الجواب ونرجع إلى تفسير الألفاظ فنقول الهمزة في قوله أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتِ رَبّكَ للإنكار الدال على التجهيل والتعجب من إعراضهم وتحكمهم أن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوة ثم ضرب لهذا مثالًا فقال نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَواة ِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ وفيه مسائل

المسألة الأولى أنا أوقعنا هذا التفاوت بين العباد في القوة والضعف والعلم والجهل والحذاقة والبلاهة والشهرة والخمول وإنما فعلنا ذلك لأنا لو سوينا بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحدًا ولم يصر أحد منهم مسخرًا لغيره وحينئذ يفضي ذلك إلى خراب العالم وفساد نظام الدينا ثم إن أحدًا من الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا ولا على الخروج عن قضائنا فإن عجزوا عن الإعراض عن حكمنا في أحوال الدنيا مع قلتها ودناءتها فكيف يمكنهم الاعتراض على حكمنا وقضائنا في تخصيص العباد بمنصب النبوة والرسالة

المسألة الثانية قوله تعالى نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَواة ِ يقتضي أن تكون كل أقسام معايشهم إنتما تحصل بحكم الله وتقديره وهذا يقتضي أن يكون الرزق الحرام والحلال كله من الله تعالى والوجه الثاني في الجواب ما هو المراد من قوله وَرَحْمَة ُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ وتقريره أن الله تعالى إذا خص بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدين فهذه الرحمة خير من الأموال التي يجمعها لأن الدينا على شرف الانقضاء والانقراض وفضل الله ورحمته تبقى أبد الآباد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت