فهرس الكتاب

الصفحة 5395 من 6606

إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَاكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْاْ يامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ

اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن وفيه مسائل

المسألة الأولى احتج القاضي على القطع بوعيد الفسق بقوله إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ولفظ المجرم يتناول الكافر والفاسق فوجب كون الكل في عذاب جهنم وقوله خَالِدُونَ يدل على الخلود وقوله أيضًا لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ يدل على الخلود والدوام أيضًا والجواب أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على أن المراد من لفظ المجرمين ههنا الكفار أما ما قبل هذه الآية فلأنه قال عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ياعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءامَنُواْ بِئَايَاتِنَا ( الزخرف 68 69 ) فهذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوا مسلمين فإنهم يدخلون تحت قوله الْمُتَّقِينَ ياعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءامَنُواْ بِئَايَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى وبآياته وأسلم فوجب أن يكون داخلًا تحت ذلك الوعد ووجب أن يكون خارجًا عن هذا الوعيد وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله جِئْنَاكُم بِالْحَقّ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كَارِهُونَ والمراد بالحق ههنا إما الإسلام وإما القرآن والرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن فثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على أن المراد من المجرمين الكفار والله أعلم

المسألة الثانية أنه تعالى وصف عذاب جهنم في حق المجرمين بصفات ثلاثة أحدهما الخلود وقد ذكرنا في مواضع كثيرة أنه عبارة عن طول المكث ولا يفيد الدوام وثانيها قوله لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ أي لا يخفف ولا ينقص من قولهم فترت عنه الحمى إذا سكنت ونقص حرها وثالثها قوله وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ والمبلس اليائس الساكت سكوت يائس من فرج عن الضحاك يجعل المجرم في تابوت من نار ثم يقفل عليه فيبقى فيه خالدًا لا يرى قال صاحب ( الكشاف ) وقرىء وَهُمْ فِيهَا أي وهم في النار

المسألة الثالثة احتج القاضي بقوله تعالى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَاكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ فقال إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي نفه بقوله وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وما الذي نسبه إليهم مما نفاه عن نفسه أو ليس لو أثبتناه ظلمًا لهم كان لا يزيد على ما يقوله القوم فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع بقدرة الله عزّ وجل فقط بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معًا فلم يكن ذلك ظلمًا من الله قلنا عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم وخالق تلك القدرة هو الله تعالى فكأنه لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج عن أن يكون ظالمًا لهم وذلك محال لأن من يكون ظالمًا في فعل فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق فيقال للقاضي قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي متعينة لأحد الطرفين فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن وقع لا لمرجع لزم نفي الصانع وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول فيه ولا بد وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله في العبد وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فحينئذٍ يلزمك ما أوردته علينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت