فهرس الكتاب

الصفحة 5400 من 6606

تعالى قلنا تعلقه به أنه تعالى خلق عيسى بمحض كن فيكون من غير واسطة النطفة والأب فكأنه قيل إن هذا القدر لا يوجب كون عيسى ولدًا لله سبحانه لأن هذا المعنى حاصل في تخليق السموات والأرض وما بينهما من انتفاء حصول الولدية هناك

ثم قال تعالى وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ وقد ذركنا في سورة الأنعام أن كون تعالى حكيمًا عليمًا ينافي حصول الولد له

ثم قال وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالاْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَة ِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ واعلم أن قوله تبارك إما أن يكون مشتقًا من الثبات والبقاء وإما أن يكون مشتقًا من كثرة الخير وعلى التقديرين فكل واحد من هذين الوجهين ينافي كون عيسى عليه السلام ولدًا لله تعالى لأنه إن كان المراد منه الثبات والبقاء فعيس عليه السلام لم يكن واجب البقاء والدوام لأنه حدث بعد أن لم يكن ثم عند النصارى أنه قتل ومات ومن كان كذلك لم يكن بينه وبين الباقي الدائم الأزلي مجانسة ومشابهة فامتنع كونه ولدًا له وإن كان المراد بالبركة كثرة الخيرات مثل كونه خالقًا للسموات والأرض وما بينهما فعيسى لم يكن كذلك بل كان محتاجًا إلى الطعام وعند النصارى أنه كان خائفًا من اليهود وبالآخرة أخذوه وقتلوه فالذي هذا صفته كيف يكون ولدً لمن كان خالقًا للسموات والأرض وما بينهماا

وأما قوله وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَة ِ فالمقصود منه أنه لما شرح كمال قدرته فكذلك شرح كمال علمه والمقصود التنبيه على أن من كان كاملًا في الذات والعلم والقدرة على الحد الذي شرحناه امتنع أن يكون ولده في العجز وعدم الوقوف على أحوال العالم بالحد الذي وصفه النصارى

ولما أطنب الله تعالى في نفي الولد أردفه ببيان نفي الشركاء فقال وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَة َ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقّ وَهُمْ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين أحدهما أن الذين يدعون من دونه الملائكة وعيسى وعزيز والمعنى أن الملائكة وعيس وعزيزًا لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق روي أن النصر بن الحرث ونفرًا معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقًا فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد فأنزل الله هذه الآية يقول لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا لأحد ثم استثنى فقال الشَّفَاعَة َ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقّ والمعنى على هذا القول هؤلاء لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق فأضمر اللام أو يقال التقدير إلا شفاعة من شهد بلحق فحذف المضاف وهذ على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام فيقول شفعت فلانًا بمعنى شفعت له كما تقول كلمته وكلمت له ونصحته ونصحت له والقول الثاني ى ن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله وقوله إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقّ الملائكة وعيسى وعزيز والمعنى أن الأشياء التي عبدها الكفار لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم الملائكة وعيسى وعزيز فإن لهم شفاعة عند الله ومنزلة ومعنى من شهد بالحق من شهد أنه لا إله إلا الله

ثم قال تعالى وَهُمْ يَعْلَمُونَ وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان فقط لا تفيد ألبتة واحتج القائلون بأن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة فقالوا بيّن الله تعالى أن الشهادة لا تنفع إلا إذا حصل معها العلم والعلم عبارة عن اليقين الذي لو شكك صاحبه فيه لم يتشكك وهذا لم يحصل إلا عند الدليل فثبت أن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت