فهرس الكتاب

الصفحة 5449 من 6606

ثم قال تعالى أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّة ِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قالت المعتزلة هذه الآية تدل على مسائل أولها قوله تعالى أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّة ِ وهذا يفيد الحصر وهذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة وثانيها قوله تعالى جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وهذا يدل على فساد قول من يقول الثواب فضل لا جزاء وثالثها أن قوله تعالى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يدل على إثبات العمل للعبد ورابعها أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر أو أي أثر كان موجودًا قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر وخامسها كون العبد مستحقًا على الله تعالى وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين لا جرم أردفه بهذا المعنى فقال تعالى وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت وفي سورة لقمان وفيه مسائل

المسألة الأولى قرأ عاصم وحمزة والكسائي بِوالِدَيْهِ إِحْسَانًا والباقون حَسَنًا

واعلم أن الإحسان خلاف الإساءة والحسن خلاف القبيح فمن قرأ إِحْسَانًا فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَانًا ( الإسراء 43 ) والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحسانًا وحجة القراءة الثانية قوله تعالى في العنكبوت وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ( العنكبوت 8 ) ولم يختلفوا فيه والمراد أيضًا أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلًا حسنًا إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة كما يقال هذا الرجل علم وكرم وانتصب حسنًا على المصدر لأن معنى وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوالِدَيْهِ أمرناه أن يحسن إليهما إِحْسَانًا

ثم قال تعالى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وفيه مسائل

المسألة الأولى قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي كَرْهًا بضم الكاف والباقون بفتحها قيل هما لغتان مثل الضعف والضعف والفقر والفقر ومن غير المصادر الدف والدف والشهد والشهد قال الواحدي الكره مصدر من كرهت الشيء أكرهه والكره الاسم كأنه الشيء المكروه قال تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ( البقرة 216 ) فهذا بالضم وقال أَن تَرِثُواْ النّسَاء كَرْهًا ( النساء 19 ) فهذا في موضع الحال ولم يقرأ الثانية بغير الفتح فما كان مصدرًا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن وما كان اسمًا نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن

المسألة الثانية قال المفسرون حملته أمه على مشقة ووضعته في مشقة وليس يريد ابتداء الحمل فإن ذلك لا يكون مشقة وقد قال تعالى فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ( الأعراف 189 ) يريد ابتداء الحمل فإن ذلك لا يكون مشقة فالحمل نطفة وعلقة ومضغة فإذا أثقلت فحينئذ حَمَلَتْهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا يريد شدة الطلق

المسألة الثالثة دلت الآية على أن حق الأم أعظم لأنه تعالى قال أولًا وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا فذكرهما معًا ثم خص الأم بالذكر فقال حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وذلك يدل على أن حقها أعظم وأن وصول المشاق إليها بسبب الولد أكثر والأخبار مذكورة في هذا الباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت