فهرس الكتاب

الصفحة 5460 من 6606

ليعتبر بها أهل مكة فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا ويقبلوا على طلب الدين فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذه القصة في هذا الموضع وهو مناسب لما تقدم لأن من أراد تقبيح طريقة عند قوم كان الطريق فيه ضرب الأمثال وتقديره أن من واظب على تلك الطريقة نزل به من البلاء كذا وكذا وقوله تعالى وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ أي واذكر يا محمد لقومك أهل مكة هودًا عليه السلام إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ أي حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا وقوله بِالاْحْقَافِ قال أبو عبيدة الحقف الرمل المعوج ومنه قيل للمعوج محقوف وقال الفراء الأحقاف واحدها حقف وهو الكثيب المكسر غير العظيم وفيه اعوجاج قال ابن عباس الأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة والنذر جمع نذير بمعنى المنذر مِن بَيْنِ يَدَيْهِ من قبله وَمِنْ خَلْفِهِ من بعده والمعنى أن هودًا عليه السلام قد أنذرهم وقال لهم أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب

واعلم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره

ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا الإفك الصرف يقال أفكه عن رأيه أي صرفه وقيل بل المراد لتزيلنا بضرب من الكذب عَنْ ءالِهَتِنَا وعن عبادتها فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا معاجلة العذاب على الشرك إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في وعدك فعند هذا قال هود إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وإنما صلح هذا الكلام جوابًا لقولهم فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا لأن قولهم فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا استعجال منهم لذلك العذاب فقال لهم هود لا علم عندي بالوقت الذي يحصل فيه ذلك العذاب إنما علم ذلك عند الله تعالى وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وهو التحذير عن العذاب وأما العلم بوقته فما أوحاه الله إليّ وَلَاكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وهذا يحتمل وجوهًا الأول المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين الثاني أراكم قومًا تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذ الجهل المفرط والوقاحة التامة الثالث إِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ حيث تصرون على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقًا ولكن لم يظهر أيضًا لكم كوني كاذبًا فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم

ثم قال تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ ذكر المبرّد في الضمير في رأوه قولين أحدهما أنه عائد إلى غير مذكور وبينه قوله عَارِضًا كما قال مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّة ٍ ( فاطر 45 ) ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا هاهنا الضمير عائد إلى السحاب كأنه قيل فلما رأوا السحاب عارضًا وهذا اختيار الزجاج ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير والقول الثاني أن يكون الضمير عائدًا إلى ما في قوله فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضًا قال أبو زيد العارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبق وقوله مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر أيامًا فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من وادٍ يقال له المغيث فَلَمَّا رَأَوْهُ مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ استبشروا و قَالُواْ هَاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا والمعنى ممطر إيانا قيل كان هود قاعدًا في قومه فجاء سحاب مكثر فقالوا هَاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا فقال بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ من العذاب ثم بيّن ماهيته فقال رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ثم وصف تلك الريح فقال تُدَمّرُ كُلَّ شَى ْء أي تهلك كل شيء من الناس والحيوان والنبات بِأَمْرِ رَبّهَا والمعنى أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة الله تعالى لأجل تعذيبكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت