فهرس الكتاب

الصفحة 5477 من 6606

فيه نقول ليس هذا سؤال يختص بالابتلاء فإن قول القائل لم ابتلى كقول القائل لم عاقب الكافر وهو مستغن ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضر وجوابه لا يسأل عما يفعل ونقول حينئذ ما قاله المتقدمون إنه لظهور الأمر المتعين لإلاه وبعد هذا فنقول المبتلى لا حاجة له إلى الأمر الذي يظهر من الابتلاء فإن الممتحن للسيف فيما ذكرنا من الصورة لا حاجة له إلى قطع ما يجرب السيف فيه حتى أنه لو كان محتاجًا كما ضربنا من مثال دفع السبع بالسيف لا يقال إنه يمتحن وقوله لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ إشارة إلى عدم الحاجة تقريرًا لقوله ذالِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ

ثم قال تعالى وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ

قرىء قتلوا وقاتلوا والكل مناسب لما تقدم أما من قرأ قتلوا فلأنه لما قال فَضَرْبَ الرّقَابِ ومعناه فاقتلوهم بين ما للقاتل بقوله وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ردًا على من زعم أن القتل فساد محرم إذ هو إفناء من هو مكرم فقال عملهم ليس كحسنة الكافر يبطل بل هو فوق حسنات الكافر أضل الله أعمال الكفار ولن يضل القاتلين فكيف يكون القتل سيئة وأما من قرأ قَاتَلُواْ فهو أكثر فائدة وأعم تناولًا لأنه يدخل فيه من سعى في القتل سواء قتل أو لم يقتل وأما من قرأ وَالَّذِينَ قُتِلُواْ على البناء للمفعول فنقول هي مناسبة لما تقدم من وجوه أحدها هو أنه تعالى لما قال فَضَرْبَ الرّقَابِ أي اقتلوا والقتل لا يتأتى إلا بالإقدام وخوف أن يقتل المقدم يمنعه من الإقدام فقال لا تخافوا القتل فإن من يقتل في سبيل الله له من الأجر والثواب ما لا يمنع المقاتل من القتال بل يحثه عليه وثانيها هو أنه تعالى لما قال لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ والمبتلى بالشيء له على كل وجه من وجوه الأثر الظاهر بالابتلاء حال من الأحوال فإن السيف الممتحن تزيد قيمته على تقدير أن يقطع وتنقص على تقدير أن لا يقطع فحال المبتلين ماذا فقال إن قتل فله أن لا يضل عمله ويهدى ويكرم ويدخل الجنة وأما إن قتل فلا يخفى عاجلًا وآجلًا وترك بيانه على تقدير كونه قاتلًا لظهوره وبين حاله على تقدير كونه مقتولًا وثالثها هو أنه تعالى لما قال لِيَبْلُوَكُمْ ولا يبتلي الشيء النفيس بما يخاف منه هلاكه فإن السيف المهند العضب الكبير القيمة لا يجرب بالشيء الصلب الذي يخاف عليه منه الانكسار ولكن الآدمي مكرم كرمه الله وشرفه وعظمه فلماذا ابتلاه بالقتال وهو يفضي إلى القتل والهلاك إفضاء غير نادر فكيف يحسن هذا الابتلاء فنقول القتل ليس بإهلاك بالنسبة إلى المؤمن فإنه يورث الحياة الأبدية فإذا ابتلاه بالقتال فهو على تقدير أن يقتل مكرم وعلى تقدير أن لا يقتل هذا إن قاتل وإن لم يقاتل فالموت لا بد منه وقد فوت على نفسه الأجر الكبير

وأما قوله تعالى فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ قد علم معنى الإضلال بقي الفرق بين العبارتين في حق الكافر والضال قال أَضَلَّ ( محمد 1 ) وقال في حق المؤمن الداعي لَنْ يُضِلَّ لأن المقاتل داع إلى الإيمان لأن قوله حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا قد ذكر أن معناه حتى لم يبق إثم بسبب حرب وذلك حيث يسلم الكافر فالمقاتل يقول إما أن تسلم وإما أن تقتل فهو داع والكافر صاد وبينهما تباين وتضاد فقال في حق الكافر أضل بصيغة الماضي ولم يقل يضل إشارة إلى أن عمله حيث وجد عدم وكأنه لم يوجد من أصله وقال في حق المؤمن فلن يضل ولم يقل ما أضل إشارة إلى أن عمله كلما ثبت عليه أثبت له فلن يضل للتأبيد وبينهما غاية الخلاف كما أن بين الداعي والصاد غاية التباين والتضاد فإن قيل ما معنى الفاء في قوله فَلَن يُضِلَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت