فهرس الكتاب

الصفحة 5620 من 6606

وقوله ههنا فَرَاغَ فإن الروغان يدل على السرعة والروغ الذي بمعنى النظر الخفي أو الرواح المخفي أيضًا كذلك ثم الإخفاء فإن المضيف إذا أحضر شيئًا ينبغي أن يخفيه عن الضيف كي لا يمنعه من الإحضار بنفسه حيث راغ هو ولم يقل هاتوا وغيبة المضيف لحظة من الضيف مستحسن ليستريح ويأتي بدفع ما يحتاج إليه ويمنعه الحياء منه ثم اختيار الأجود بقوله سَمِينٍ ثم تقديم الطعام إليهم لا نقلهم إلى الطعام بقوله فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ لأن من قدم الطعام إلى قوم يكون كل واحد مستقرًا في مقره لا يختلف عليه المكان فإن نقلهم إلى مكان الطعام ربما يحصل هناك اختلاف جلوس فيقرب الأدنى ويضيق على الأعلى ثم العرض لا الأمر حيث قال أَلا تَأْكُلُونَ ولم يقل كلوا ثم كون المضيف مسرورًا بأكلهم غير مسرور بتركهم الطعام كما يوجد في بعض البخلاء المتكلفين الذين يحضرون طعامًا كثيرًا ويكون نظره ونظر أهل بيته في الطعام متى يمسك الضيف يده عنه يدل عليه قوله تعالى

فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَة ً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلَيمٍ

ثم أدب الضيف أنه إذا أكل حفظ حق المؤاكلة يدل عليه أنه خافهم حيث لم يأكلوا ثم وجوب إظهار العدر عند الإمساك يدل عليه قوله لاَ تَخَفْ ثم تحسين العبارة في العذر وذلك لأن من يكون محتميًا وأحضر لديه الطعام فهناك أمران أحدهما أن الطعام لا يصلح له لكونه مضرًا به الثاني كونه ضعيف القوة عن هضم ذلك الطعام فينبغي أن لا يقول الضيف هذا طعام غليظ لا يصلح لي بل الحسن أن يأتي بالعبارة الأخرى ويقول لي مانع من أكل الطعام وفي بيتي لا آكل أيضًا شيئًا يدل عليه قوله وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ حيث فهموه أنهم ليسوا ممن يأكلون ولم يقولوا لا يصلح لنا الطعام والشراب ثم أدب آخر في البشارة أن لا يخبر الإنسان بما يسره دفعة فإنه يورث مرضًا يدل عليه أنهم جلسوا واستأنس بهم إبراهيم عليه السلام ثم قالوا نبشرك ثم ذكروا أشرف النوعين وهو الذكر ولم يقتنعوا به حتى وصفوه بأحسن الأوصاف فإن الابن يكون دون البنت إذا كانت البنت كاملة الخلقة حسنة الخلق والابن بالضد ثم إنهم تركوا سائر الأوصاف من الحسن والجمال والقوة والسلامة واختاروا العلم إشارة إلى أن العلم رأس الأوصاف ورئيس النعوت وقد ذكرنا فائدة تقديم البشارة على الإخبار عن إهلاكهم قوم لوط ليعلم أن الله تعالى يهلكهم إلى خلف ويأتي ببدلهم خيرًا منهم

فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِى صَرَّة ٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ

ثم قال تعالى فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِى صَرَّة ٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ يَوْمٍ عَقِيمٍ

أي أقبلت على أهلها وذلك لأنها كانت في خدمتهم فلما تكلموا مع زوجها بولادتها استحيت وأعرضت عنهم فذكر الله تعالى ذلك بلفظ الإقبال على الأهل ولم يقل بلفظ الإدبار عن الملائكة وقوله تعالى فِى صَرَّة ٍ أي صيحة كما جرت عادة النساء حيث يسمعن شيئًا من أحوالهن يصحن صيحة معتادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت