فهرس الكتاب

الصفحة 5681 من 6606

وضعت لأمور تتحقق فيها فيعبر بها عنها والأمور المشتركة لا تتحقق إلا في ضمن أشياء أُخر فالوضع أولًا لما يوجد منه لا يدرك منه قبل الضرب وهذا ما يمكن أن يقال لمن يقول الماضي أصل والمصدر مأخوذ منه وأما الذي يقول المصدر أصل والماضي مأخوذ منه فله دلائل منها أن الاسم أصل والفعل متفرع والمصدر اسم ولأن المصدر معرب والماضي مبني والإعراب قبل البناء ولأن قال وقال وراع وراع إذا أردنا الفرق بينهما نرد أبنيتهما إلى المصدر فنقول قال الألف منقلبة من واو بدليل القول وقال ألف منقلبة من ياء بدليل القيل وكذلك الروع والريع وأما المعقول فلأن الألفاظ وضعت للأمور التي في الأذهان والعام قبل الخاص في الذهن فإن الموجود إذا أدرك يقول المدرك هذا الموجود جوهر أو عرض فإذا أدرك أنه جوهر يقول إنه جسم أو غير جسم عند من يجعل الجسم جوهرًا وهو الأصح الأظهر ثم إذا أدرك كونه جسمًا يقول هو تام وكذلك الأمر إلى أن ينتهي إلى أخص الأشياء إن أمكن الانتهاء إليه بالتقسيم فالوضع الأول الفعل وهو المصدر من غير زيادة ثم إذا انضم إليه زمان تقول ضرب أو سيضرب فالمصدر قبل الماضي وهذا هو الأصح إذا علمت هذا فنقول على مذهب من يقول المصدر في الثلاثي من الماضي فالحب وأحب كلاهما في درجة واحدة لأن كليهما من حب يحب والمصدر من الثلاثي قبل مصدر المنشعبة بمرتبة وعلى مذهب من يقول الماضي في الثلاثي مأخوذ من المصدر فالمصدر الثلاثي قبل المصدر في المنشعبة بمرتبتين فاستعمل مصدر الثلاثي لأنه قبل مصدر المنشعبة وأما الفعل في أحب وأوحى فلأن الألف فيهما تفيد فائدة لا يفيدها الثلاثي المجرد لأن أحب أدخل في التعدية وأبعد عن توهم اللزوم فاستعمله

المسألة الرابعة إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْى ٌ أبلغ من قول القائل هو وحي وفيه فائدة غير المبالغة وهي أنهم كانوا يقولون هو قول كاهن هو قول شاعر فأراد نفي قولهم وذلك يحصل بصيغة النفي فقال ما هو كما يقولون وزاد فقال بل هو وحي وفيه زيادة فائدة أخرى وهو قوله يُوحَى ذلك كقوله تعالى وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ( الأنعام 38 ) وفيه تحقيق الحقيقة فإن الفرس الشديد العدو ربما يقال هو طائر فإذا قال يطير بجناحيه يزيل جواز المجاز كذلك يقول بعض من لا يحترز في الكلام ويبالغ في المبالغة كلام فلان وحي كما يقول شعره سحر وكما يقول قوله معجزة فإذا قال يوحى يزول ذلك المجاز أو يبعد

عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى

ثم قال تعالى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى وفيه وجهان أشهرهما عند المفسرين أن الضمير في عِلْمِهِ عائدًا إلى الوحي أي الوحي علمه شديد القوى والوحي وإن كان هو الكتاب فظاهر وإن كان الإلهام فهو كقوله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاْمِينُ ( الشعراء 193 ) والأولى أن يقال الضمير عائد إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) تقديره علم محمد شديد القوى جبريل وحينئذ يكون عائدًا إلى صاحبكم تقديره علم صاحبكم وشديد القوى هو جبريل أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة فيعلم ويعمل وقوله شَدِيدُ الْقُوَى فيه فوائد الأولى أن مدح المعلم مدح المتعلم فلو قال علمه جبريل ولم يصفه ما كان يحصل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فضيلة ظاهرة الثانية هي أن فيه ردًا عليهم حيث قالوا أساطير الأولين سمعها وقت سفره إلى الشام فقال لم يعلمه أحد من الناس بل معلمه شديد القوى والإنسان خلق ضعيفا وما أوتي من العلم إلا قليلًا الثالثة فيه وثوق بقول جبريل عليه السلام فقوله تعالى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى جمع ما يوجب الوثوق لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول القائل لأنا إن ظننا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت