فهرس الكتاب
من ضل عن سبيله لا يصل إلى المقصود سواء سلك سبيلًا أو ( لم ) يسلك وأما من اهتدى إلى سبيل فلا وصول إن لم يسلكه ويصحح هذا أن من ضل في غير سبيله فهو ضال ومن اهتدى إليها لا يكون مهتديًا إلا إذا اهتدى إلى كل مسألة يضر الجهل بها بالإيمان فكان الاهتداء اليقيني هو الاهتداء المطلق فقال بِمَنِ اهْتَدَى وقال بِالْمُهْتَدِينَ ( القلم 7 )
ثم قال تعالى
وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأرض لِيَجْزِى َ الَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى
إشارة إلى كمال غناه وقدرته ليذكر بعد ذلك ويقول إن ربك هو أعلم من الغني القادر لأن من علم ولم يقدر لا يتحقق منه الجزاء فقال وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ وفي الآية مسائل
المسألة الأولى قال الزمخشري ما يدل على أنه يعتقد أن اللام في قوله لِيَجْزِى َ كاللام في قوله تعالى وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ( النحل 8 ) وهو جرى في ذلك على مذهبه فقال وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ معناه خلق ما فيهما لغرض الجزاء وهو لا يتحاشى مما ذكره لما عرف من مذهب الاعتزال وقال الواحدي اللام للعاقبة كما في قوله تعالى لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا ( القصص 8 ) أي أخذوه وعاقبته أنه يكون لهم عدوًا والتحقيق فيه وهو أن حتى ولام الغرض متقاربان في المعنى لأن الغرض نهاية الفعل وحتى للغاية المطلقة فبينهما مقاربة فيستعمل أحدهما مكان الآخر يقال سرت حتى أدخلها ولكي أدخلها فلام العاقبة هي التي تستعمل في موضع حتى للغاية ويمكن أن يقال هنا وجه أقرب من الوجهين وإن كان أخفى منهما وهو أن يقال إن قوله لِيَجْزِى َ متعلق بقوله ضل واهتدى لا بالعلم ولا بخلق ما في السموات تقديره كأنه قال هو أعلم بمن ضل واهتدى لِيَجْزِى َ أن من ضل واهتدى يجزي الجزاء والله أعلم به فيصير قوله وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ كلامًا معترضًا ويحتمل أن يقال هو متعلق بقوله تعالى فَأَعْرَضَ ( النجم 29 ) أي أعرض عنهم ليقع الجزاء كما يقول المريد فعلًا لمن يمنعه منه زرني لأفعله وذلك لأن ما دام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم ييأس ما كان العذاب ينزل والإعراض وقت اليأس وقوله تعالى وَيِجْزِى الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى حينئذ يكون مذكورًا ليعلم أن العذاب الذي عند إعراضه يتحقق ليس مثل الذي قال تعالى فيه وَاتَّقُواْ فِتْنَة ً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّة ً ( الأنفال 25 ) بل هو مختص بالذين ظلموا وغيرهم لهم الحسنى وقوله تعالى في حق المسيء بِمَا عَمِلُواْ وفي حق المحسن بِالْحُسْنَى فيه لطيفة لأن جزاء المسيء عذاب فنبه على ما يدفع الظلم فقال لا يعذب إلا عن ذنب وأما في الحسنى فلم يقل بما عملوا لأن الثواب إن كان لا على حسنة يكون في غاية الفضل فلا يخل بالمعنى هذا إذا قلنا الحسنى هي المثوبة بالحسنى وأما إذا قلنا الأعمال الحسنى ففيه لطيفة غير ذلك وهي أن أعمالهم لم يذكر فيها التساوي وقال في أعمال المحسنين الْحُسْنَى إشارة إلى الكرم والصفح حيث ذكر أحسن الإسمين والحسنى صفة أقيمت مقام الموصوف كأنه تعالى قال بالأعمال الحسنى كقوله تعالى الاْسْمَاء الْحُسْنَى ( الأعراف 180 ) وحينئذ هو كقوله تعالى لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( العنكبوت 7 ) أي يأخذ أحسن أعمالهم ويجعل ثواب كل ما وجد منهم لجزاء ذلك الأحسن أو هي صفة المثوبة كأنه قال ويجزي الذين