فهرس الكتاب

الصفحة 5775 من 6606

ثم قال تعالى

فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ

فيه مسائل

المسألة الأولى وَنَهَرٍ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ كيف مخرجه نقول يحتمل وجهين أحدهما أن يكون على صورة بدل كما يقول القائل فلان في بلدة كذا في دار كذا وعلى هذا يكون مقعد من جملة الجنات موضعًا مختارًا له مزية على مافي الجنات من المواضع وعلى هذا قوله عِندَ مَلِيكٍ لأنا بينا في أحد الوجوه أن المراد من قوله فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( القمر 54 ) في جنات عند نهر فقال فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ ويحتمل أن يقال عِندَ مَلِيكٍ صفة مقعد صدق تقول درهم في ذمة ملىء خير من دينار في ذمة معسر وقليل عند أمين أفضل من كثير عند خائن فيكون صفة وإلا لما حسن جعله مبتدأ ثانيهما أن يكون فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ كالصفة لجنات ونهر أي في جنات ونهر موصوفين بأنهما في مقعد صدق تقول وقفة في سبيل الله أفضل من كذا و عِندَ مَلِيكٍ صفة بعد صفة

المسألة الثانية قوله فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ يدل على لبث لا يدل عليه المجلس وذلك لأن قعد وجلس ليسا على ما يظن أنهما بمعنى واحد لا فرق بينهما بل بينهما فرق ولكن لا يظهر إلا للبارع والفرق هو أن القعود جلوس فيه مكث حقيقة واقتضاء ويدل عليه وجوه الأول هو أن الزمن يسمى مقعدًا ولا يسمى مجلسًا لطول المكث حقيقة ومنه سمي قواعد البيت والقواعد من النساء قواعد ولا يقال لهن جوالس لعدم دلالة الجلوس على المكث الطويل فذكر القواعد في الموضعين لكونه مستقرًا بين الدوام والثبات على حالة واحدة ويقال للمركوب من الإبل قعود لدوام اقتعاده اقتضاء وإن لم يكن حقيقة فهو لصونه عن الحمل واتخاذه للركوب كأنه وجد فيه نوع قعود دائم اقتضى ذلك ولم يرد للإجلاس الثاني النظر إلى تقاليب الحروف فإنك إذا نظرت إلى ق ع د وقلبتها تجد معنى المكث في الكل فإذا قدمت القاف رأيت قعد وقدع بمعنى ومنه تقادع الفراش بمعنى تهافت وإذا قدمت العين رأيت عقد وعدق بمعنى المكث في غاية الظهور وفي عدق لخفاء يقال أعدق بيدك الدلو في البئر إذا أمره بطلبه بعد وقوعه فيها والعودقة خشبة عليها كلاب يخرج معه الدلو الواقع في البئر وإذا قدمت الدال رأيت دقع ودعق والمكث في الدقع ظاهر والدقعاء هي التراب الملتصق بالأرض والفقر المدقع هو الذي يلصق صاحبه بالتراب وفي دعق أيضًا إذ الدعق مكان تطؤه الدواب بحوافرها فيكون صلبًا أجزاؤه متداخل بعضها ببعض لا يتحرك شيء منها عن موضعه الوجه الثالث الاستعمالات في القعود إذا اعتبرت ظهر ما ذكرنا قال تعالى لاَّ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ ( النساء 95 ) والمراد الذي لا يكون بعده اتباع وقال تعالى مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ( آل عمران 121 ) مع أنه تعالى قال إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ( الصف 4 ) فأشار إلى الثبات العظيم وقال تعالى إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة ً فَاثْبُتُواْ ( الأنفال 45 ) فالمقاعد إذن هي المواضع التي يكون فيها المقاتل بئبات ومكث وإطلاق مقعدة على العضو الذي عليه القعود أيضًا يدل عليه إذا عرفت هذا الفرق بين الجلوس والقعود حصل لك فوائد منها ههنا فإنه يدل على دوام المكث وطول اللبث ومنها في قوله تعالى عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِيدٌ ( ق 17 ) فإن القعيد بمعنى الجليس والنديم ثم إذا عرف هذا وقيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت