فهرس الكتاب

الصفحة 5787 من 6606

الأول ما الحكمة في تقديم الفاكهة على القوت نقول هو باب الابتداء بالأدنى والارتقاء إلى الأعلى والفاكهة في النفع دون النخل الذي منه القوت والتفكه وهو دون الحب الذي عليه المدار في سائر المواضع وبه يتغذى الأنام في جميع البلاد فبدأ بالفاكهة ثم ذكر النخل ثم ذكر الحب الذي هو أتم نعمة لموافقته مزاج الإنسان ولهذا خلقه الله في سائر البلاد وخصص النخل بالبلاد الحارة

البحث الثاني ما الحكمة في تنكير الفاكهة وتعريف النخل وجوابه من وجوه أحدها أن القوت محتاج إليه في كل زمان متداول في كل حين وأوان فهو أعرف والفاكهة تكون في بعض الأزمان وعند بعض الأشخاص وثانيها هو أن الفاكهة على ما بينا ما يتفكه به وتطيب به النفس وذلك عند كل أحد بحسب كل وقت شيء فمن غلب عليه حرارة وعطش يريد التفكه بالحامض وأمثاله ومن الناس من يريد التفكه بالحلو وأمثاله فالفاكهة غير متعينة فنكرها والنخل والحب معتادان معلومان فعرفهما وثالثها النخل وحدها نعمة عظيمة تعلقت بها منافع كثيرة وأما الفاكهة فنوع منها كالخوخ والإجاص مثلًا ليس فيه عظيم النعمة كما في النخل فقال فَاكِهَة ٍ بالتنكير ليدل على الكثرة وقد صرح بالكثرة في مواضع أخر فقال يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَة ٍ كَثِيرَة ٍ ( ص 51 ) وقال وَفَاكِهَة ٍ كَثِيرَة ٍ لاَّ مَقْطُوعَة ٍ وَلاَ مَمْنُوعَة ٍ ( الواقعة 32 33 ) فالفاكهة ذكرها الله تعالى ووصفها بالكثرة صريحًا وذكرها منكرة لتحمل على أنها موصوفة بالكثرة اللائقة بالنعمة في النوع الواحد منها بخلاف النخل

البحث الثالث ما الحكمة في ذكر الفاكهة باسمها لا باسم أشجارها وذكر النخل باسمها لا باسم ثمرها نقول قد تقدم بيانه في سورة ي س حيث قال تعالى مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ( ي س 34 ) وهو أن شجرة العنب وهي الكرم بالنسبة إلى ثمرتها وهي العنب حقيرة وشجرة النخل بالنسبة إلى ثمرتها عظيمة وفيها من الفوائد الكثيرة على ماعرف من اتخاذ الظروف منها والانتفاع بجمارها وبالطلع والبسر والرطب وغير ذلك فثمرتها في أوقات مختلفة كأنها ثمرات مختلفة فهي أتم نعمة بالنسبة إلى الغير من الأشجار فذكر النخل باسمه وذكر الفاكهة دون أشجارها فإن فوائد أشجارها في عين ثمارها

البحث الرابع ما معنى ذَاتُ الاْكْمَامِ نقول فيه وجهان أحدهما الأكمام كل ما يغطي جمع كم بضم الكاف ويدخل فيه لحاؤها وليفها ونواها والكل منتفع به كما أن النخل منتفع بها وأغصانها وقلبها الذي هو الجمار ثانيهما الأكمام جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء الطلع فإنه يكون أولًا في وعاء فينشق ويخرج منه الطلع فإن قيل على الوجه الأول ذَاتُ الاْكْمَامِ في ذكرها فائدة لأنها إشارة إلى أنواع النعم وأما على الوجه الثاني فما فائدة ذكرها نقول الإشارة إلى سهولة جمعها والانتفاع بها فإن النخلة شجرة عظيمة لا يمكن هزها لتسقط منها الثمرة فلا بد من قطف الشجرة فلو كان مثل الجميز الذي يقال إنه يخرج من الشجرة متفرقًا واحدة واحدة لصعب قطافها فقال ذَاتُ الاْكْمَامِ أي يكون في كم شيء كثير إذا أخذ عنقود واحد منه كفى رجلا واثنين كعناقيد العنب فانظر إليها فلو كان العنب حباتها في الأشجار متفرقة كالجميز والزعرور لم يمكن جمعه بالهز متى أريد جمعه فخلقه الله تعالى عناقيد مجتمعة كذلك الرطب فكونها ذَاتُ الاْكْمَامِ من جملة إتمام الإنعام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت