فهرس الكتاب

الصفحة 5890 من 6606

إنما حصل بسببها بل ربما كنا نظن أن الأشياء مضيئة لذواتها إلا أنها لما كانت بحيث تغرب ثم ترى أنها متى غربت أبطلت الأنوار وزالت الأضواء عن هذا العالم علمنا حينئذ أن هذه الأضواء من الشمس فههنا لو أمكن انقطاع وجود الله عن هذه الممكنات لظهر حينئذ أن وجود هذه الممكنات من وجود الله تعالى لكنه لما دام ذلك الجود ولم ينقطع صار دوامه وكماله سببًا لوقوع الشبهة حتى إنه ربما يظن أن نور الوجود ليس منه بل وجود كل شيء له من ذاته فظهر أن هذا الاستتار إنما وقع من كمال وجوده ومن دوام جوده فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره واحتجب عنها بكمال نوره

الوجه الثاني أن ماهيته غير معقولة للبشر ألبتة ويدل عليه أن الإنسان لا يتصور ماهية الشيء إلا إذا أدركه من نفسه على سبيل الوجدان كالألم واللذة وغيرهما أو أدركه بحسه كالألوان والطعوم وسائر المحسوسات فأما مالا يكون كذلك فيتعذر على الإنسان أن يتصور ماهيته ألبتة وهويته المخصوصة جل جلاله ليست كذلك فلا تكون معقولة للبشر ويدل عليه أيضًا أن المعلوم منه عند الخلق إما الوجود وإما السلوب وهو أنه ليس بجسم ولا جوهر وإما الإضافة وهو أنه الأمر الذي من شأنه كذا وكذا والحقيقة المخصوصة مغايرة لهذه الأمور فهي غير معقولة ويدل عليه أن أظهر الأشياء منه عند العقل كونه خالقًا لهذه المخلوقات ومتقدمًا عليها وقد عرفت حيرة العقل ودهشته في معرفة هذه الأولية فقد ظهر بما قدمناه أنه سبحانه هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن وسمعت والدي رحمه الله يقول إنه كان يروى أنه لما نزلت هذه الآية أقبل المشركون نحو البيت وسجدوا

المسألة الثانية احتج كثير من العلماء في إثبات أن الإله واحد بقوله هُوَ الاْوَّلُ قالوا الأول هو الفرد السابق ولهذا المعنى لو قال أول مملوك اشتريته فهو حر ثم اشترى عبدين لم يعتقا لأن شرط كونه أولًا حصول الفردية وههنا لم تحصل فلو اشترى بعد ذلك عبدًا واحدًا لم يعتق لأن شرط الأولية كونه سابقًا وههنا لم يحصل فثبت أن الشرط في كونه أولًا أن يكون فردًا فكانت الآية دالة على أن صانع العالم فرد

المسألة الثالثة أكثر المفسرين قالوا إنه أول لأنه قبل كل شيء وإنه آخر لأنه بعد كل شيء وإنه ظاهر بحسب الدلائل وإنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار وأن جماعة لما عجزوا عن جواب جهم قالوا معنى هذه الألفاظ مثل قول القائل فلان هو أول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه أي عليه يدور وبه يتم

واعلم أنه لما أمكن حمل الآية على الوجوه التي ذكرناها مع أنه يسقط بها استدلال جهم لم يكن بنا إلى حمل الآية على هذا المجاز حاجة وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب العالي على كل شيء ومنه قوله تعالى فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ( الصف 14 ) أي غالبين عالين من قولك ظهرت على فلان أي علوته ومنه قوله تعالى عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ( الزخرف 33 ) وهذا معنى ما روى في الحديث ( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ) وأما الباطن فقال الزجاج إنه العالم بما بطن كما يقول القائل فلان يظن أمر فلان أي يعلم أحواله الباطنة قال الليث يقال أنت أبطن بهذا الأمر من فلان أي أخبر بباطنه فمعنى كونه باطنًا كونه عالمًا ببواطن الأمور وهذا التفسير عندي فيه نظر لأن قوله بعد ذلك وَهُوَ بِكُلّ شَى ْء عَلِيمٌ يكون تكرارًا أما على التفسير الأول فإنه يحسن موقعه لأنه يصير التقدير كأنه قيل إن أحدًا لا يحيط به ولا يصل إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت