فهرس الكتاب

الصفحة 5894 من 6606

هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ

قال القاضي بين بذلك أن مراده بإنزال الآيات البينات التي هي القرآن وغيره من المعجزات أن يخرجهم من الظلمات إلى النور وأكد ذلك بقوله وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ ولو كان تعالى يريد من بعضهم الثبات على ظلمات الكفر ويخلق ذلك فيهم ويقدره لهم تقديرًا لا يقبل الزوال لم يصح هذا القول فإن قيل أليس أن ظاهره يدل على أنه تعالى يخرج من الظلمات إلى النور فيجب أن يكون الإيمان من فعله قلنا لو أراد بهذا الإخراج خلق الإيمان فيه لم يكن لقوله تعالى هُوَ الَّذِى يُنَزّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءايَاتٍ بَيّنَاتٍ لّيُخْرِجَكُمْ معنى لأنه سواء تقدم ذلك أو لم يتقدم فخلقه لما خلقه لا يتغير فالمراد إذن بذلك أنه يلطف بهم في إخراجهم من الظلمات إلى النور ولولا ذلك لم يكن بأن يصف نفسه بأنه يخرجهم من الظلمات إلى النور أولى من أن يصف نفسه بأنه يخرجهم من النور إلى الظلمات

واعلم أن هذا الكلام على خسته وروغته معارض بالعلم وذلك لأنه تعالى كان عالمًا بأن علمه سبحانه بعدم إيمانهم قائم وعالمًا بأن هذا العلم ينافي وجود الإيمان فإذا كلفهم بتكوين أحد الضدين مع علمه بقيام الضد الآخر في الوجود بحيث لا يمكن إزالته وإبطاله فهل يعقل مع ذلك أن يريد بهم ذلك الخير والإحسان لا شك أن مما لا يقوله عاقل وإذا توجهت المعارضة زالت تلك القوة أما قوله وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ فقد حمله بعضهم على بعثة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فقط وهذا التخصيص لا وجه له بل يدخل فيه ذلك مع سائر ما يتمكن به المرء من أداء التكاليف

وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ والأرض لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَائِكَ أَعْظَمُ دَرَجَة ً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

ثم قال تعالى وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ

لما أمر أولًا بالإيمان وبالإنفاق ثم أكد في الآية المتقدمة إيجاب الإيمان أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاب الإنفاق والمعنى أنكم ستموتون فتورثون فهلا قدمتموه في الإنفاق في طاعة الله وتحقيقه أن المال لا بد وأن يخرج عن اليد إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله فإن وقع على الوجه الأول كان أثره اللعن والمقت والعقاب وإن وقع على الوجه الثاني كان أثره المدح والثواب وإذا كان لا بد من خروجه عن اليد فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه بحيث يستعقب اللعن والعقاب

ثم لما بين تعالى أن الإنفاق فضيلة بين أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة فقال

لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَة ً مّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وفيه مسائل

المسألة الأولى تقدير الآية لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق من بعد الفتح كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت