فهرس الكتاب

الصفحة 6118 من 6606

سمعنا القرآن علمنا أنهم قد يكذبون وهذا منهم إقرار بأنهم إنما وقعوا في تلك الجهالات بسبب التقليد وأنهم إنما تخلصوا عن تلك الظلمات ببركة الاستدلال والاحتجاج

المسألة الثانية قوله كَذِبًا بم نصب فيه وجوه أحدها أنه وصف مصدر محذوف والتقدير أن لن تقول الإنس والجن على الله قولًا كذبًا وثانيها أنه نصب نصب المصدر لأن الكذب نوع من القول وثالثها أن من قرأ أَن لَّن تَقُولَ وضع كَذِبًا موضع تقوّلًا ولم يجعله صفة لأن التقوّل لا يكون إلا كذبًا

النوع الخامس قوله تعالى

وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقًا

وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الْجِنّ فيه قولان الأول وهو قول جمهور المفسرين أن الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال أعوذ بسيد هذا الوادي أو بعزيز هذا المكان من شر سفهاء قومه فيبيت في جوار منهم حتى يصبح وقال آخرون كان أهل الجاهلية إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكانًا فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فيناديهم فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي من أن يصيبنا آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما تفزعهم الجن فيهربون القول الثاني المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضًا لكن من شر الجن مثل أن يقول الرجل أعوذ برسول الله من شر جن هذا الوادي وأصحاب هذا التأويل إنما ذهبوا إليه لأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن وهذا ضعيف فإنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلًا أما قوله فَزَادوهُمْ رَهَقًا قال المفسرون معناه زادوهم إثمًا وجرأة وطغيانًا وخطيئة وغيًا وشرًا كل هذا من ألفاظهم قال الواحدي الرهق غشيان الشيء ومنه قوله تعالى وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ ( يونس 26 ) وقوله تَرْهَقُهَا قَتَرَة ٌ ( عبس 41 ) ورجل مرهق أي يغشاه السائلون ويقال رهقتنا الشمس إذا قربت والمعنى أن رجال الإنس إنما استعاذوا بالجن خوفًا من أن يغشاهم الجن ثم إنهم زادوا في ذلك الغشيان فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استذلوهم واجترؤا عليهم فزادوهم ظلمًا وهذا معنى قول عطاء خبطوهم وخنقوهم وعلى هذا القول زادوا من فعل الجن وفي الآية قول آخر وهو أن زادوا من فعل الإنس وذلك لأن الإنس لما استعاذوا بالجن فالجن يزدادون بسبب ذلك التعوذ طغيانًا فيقولون سدنا الجن والإنس والقول الأول هو اللائق بمساق الآية والموافق لنظمها

النوع السادس قوله تعالى

وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا

اعلم أن هذه الآية والتي قبلها يحتمل أن يكونا من كلام الجن ويحتمل أن يكونا من جملة الوحي فإن كانا من كلام الجن وهو الذي قاله بعضهم مع بعض كان التقدير وأن الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن وإن كانا من الوحي كان التقدير وأن الجن ظنوا كما ظننتم يا كفار قريش وعلى التقديرين فالآية دلت على أن الجن كما أنهم كان فيهم مشرك ويهودي ونصراني ففيهم من ينكر البعث ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يبعث أحدًا للرسالة على ما هو مذهب البراهمة واعلم أن حمله على كلام الجن أولى لأن ما قبله وما بعده كلام الجن فإلقاء كلام أجنبي عن كلام الجن في البين غير لائق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت