فهرس الكتاب

الصفحة 6143 من 6606

وقال كيف يفضل هذا التشبيه الذي في القرآن على بيت المعري فقلت من وجوه الأول أن امتلاء الفودين من الشيب ليس بعجب أما صيرورة الولدان شيبًا فهو عجيب كأن شدة ذلك اليوم تنقلهم من سن الطفولية إلى سن الشيخوخة من غير أن يمروا فيما بين الحالتين بسن الشباب وهذا هو المبالغة العظيمة في وصف اليوم بالشدة وثانيها أن امتلاء الفودين من الشيب معناه ابيضاض الشعر وقد يبيض الشعر لعلة مع أن قوة الشباب تكون باقية فهذا ليس فيه مبالغة وأما الآية فإنها تدل على صيرورة الولدان شيوخًا في الضعف والنحافة وعدم طراوة الوجه وذلك نهاية في شدة ذلك اليوم وثالثها أن امتلاء الفودين من الشيب ليس فيه مبالغة لأن جانبي الرأس موضع للرطوبات الكثيرة البلغمية ولهذا السبب فإن الشيب إنما يحدث أولًا في الصدغين وبعده في سائر جوانب الرأس فحصول الشيب في الفودين ليس بمبالغة إنما المبالغة هو استيلاء الشيب على جميع أجزاء الرأس بل على جميع أجزاء البدن كما هو مذكور في الآية والله أعلم

النوع الثاني من أهوال يوم القيامة قوله السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ وهذا وصف لليوم بالشدة أيضًا وأن السماء على عظمها وقوتها تنفطر فيه فما ظنك بغيرها من الخلائق ونظيره قوله إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ ( الانفطار 1 ) وفيه سؤالان

السؤال الأول لم لم يقل منفطرة الجواب من وجوه أولها روى أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء إنما قال السَّمَاء مُنفَطِرٌ ولم يقل منفطرة لأن مجازها مجاز السقف تقول هذا سماء البيت وثانيها قال الفراء السماء تؤنث وتذكر وهي ههنا في وجوه التذكير وأنشد شعرًا فلو رفع السماء إليه قوما

لحقنا بالنجوم مع السحاب

وثالثها أن تأنيث السماء ليس بحقيقي وما كان كذلك جاز تذكيره

قال الشاعر

والعين بالإثمد الخيري مكحول

وقال الأعشى فلا مزنة ودقت ودقها

ولا أرض أبقل إبقالها

ورابعها أن يكون السماء ذات انفطار فيكون من باب الجراد المنتشر والشجر الأخضر وأعجاز نخل منقعر وكقولهم امرأة مرضع أي ذات رضاع

السؤال الثاني ما معنى مُنفَطِرٌ بِهِ الجواب من وجوه أحدها قال الفراء المعنى منفطر فيه وثانيها أن الباء في ( به ) مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به يعني أنها تنفطر لشدة ذلك اليوم وهوله كما ينفطر الشيء بما ينفطر به وثالثها يجوز أن يراد السماء مثقلة به إثقالًا يؤدي إلى انفطارها لعظم تلك الواقعة عليها وخشيتها منها كقوله ثَقُلَتْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ( الأعراف 187 )

أما قوله كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا فاعلم أن الضمير في قوله وَعْدَهُ يحتمل أن يكون عائدًا إلى المفعول وأن يكون عائدًا إلى الفاعل أما الأول فأن يكون المعنى وعد ذلك اليوم مفعول أي الوعد المضاف إلى ذلك اليوم واجب الوقوع لأن حكمة الله تعالى وعلمه يقتضيان إيقاعه وأما الثاني فأن يكون المعنى وعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت