فهرس الكتاب

الصفحة 6192 من 6606

عليه ولما بطل هذا التأويل ثبت أن الحق هو التأويل الأول وهو أنه تعالى هدى جميع المكلفين سواء آمن أو كفر وبطل بهذا قول المجبرة أنه تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان أجاب أصحابنا بأنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يؤمن ثم كلفه بأن يؤمن فقد كلفه بأن يجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان وهذا تكليف بالجمع بين المتنافيين فإن لم يصر هذا عذرًا في سقوط التهديد والوعيد جاز أيضًا أن يخلق الكفر فيه ولا يصير ذلك عذرًا في سقوط الوعيد وإذا ثبت هذا ظهر أن هذا التأويل هو الحق وأن التأويل اللائق بقول المعتزلة ليس بحق وبطل به قول المعتزلة

المسألة الثانية أنه تعالى ذكر نعمه على الإنسان فابتدأ بذكر النعم الدنيوية ثم ذكر بعده النعم الدينية ثم ذكر هذه القسمة

واعلم أنه لا يمكن تفسير الشاكر والكفور بمن يكون مشتغلًا بفعل الشكر وفعل الكفران وإلا لم يتحقق الحصر بل المراد من الشاكر الذي يكون مقرًا معترفًا بوجوب شكر خالقه عليه والمراد من الكفور الذي لا يقر بوجوب الشكر عليه إما لأنه ينكر الخالق أو لأنه وإن كان يثبته لكنه ينكر وجوب الشكر عليه وحينئذ يتحقق الحصر وهو أن المكلف إما أن يكون شاكرًا وإما أن يكون كفورًا واعلم أن الخوارج احتجوا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين المطيع والكافر قالوا لأن الشاكر هو المطيع والكفور هو الكافر والله تعالى نفى الواسطة وذلك يقتضي أن يكون كل ذنب كفرًا وأن يكون كل مذنب كافرًا واعلم أن البيان الذي لخصناه يدفع هذا الإشكال فإنه ليس المراد من الشاكر الذي يكون مشتغلًا بفعل الشكر فإن ذلك باطل طردًا وعكسًا أما الطرد فلأن اليهودي قد يكون شاكرًا لربه مع أنه لا يكون مطيعًا لربه والفاسق قد يكون شاكرًا لربه مع أنه لا يكون مطيعًا لربه وأما العكس فلأن المؤمن قد لا يكون مشتغلًا بالشكر ولا بالكفران بل يكون ساكنًا غافلًا عنهما فثبت أنه لا يمكن تفسير الشاكر بذلك بل لا بد وأن يفسر الشاكر بمن يقر بوجوب الشكر والكفور بمن لا يقر بذلك وحينئذ يثبت الحصر ويسقط سؤالهم بالكلية والله أعلم

إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا إِنَّ الاٌّ بْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا

قوله تعالى إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا

اعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين أتبعهما بالوعيد والوعد وفيه مسائل

المسألة الأولى الاعتداد هو إعداد الشيء حتى يكون عتيدًا حاضرًا متى احتيج إليه كقوله تعالى هَاذَا مَا لَدَى َّ عَتِيدٌ ( ق 23 ) وأما السلاسل فتشد بها أرجلهم وأما الأغلال فتشد بها أيديهم إلى رقابهم وأما السعير فهو النار التي تسعر عليهم فتوقد فيكونون حطبًا لها وهذا من أغلظ أنواع الترهيب والتخويف

المسألة الثانية احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الجحيم بسلاسلها وأغلالها مخلوقة لأن قوله تعالى أَعْتَدْنَا أخبار عن الماضي قال القاضي إنه لما توعد بذلك على التحقيق صار كأنه موجود قلنا هذا الذي ذكرتم ترك للظاهر فلا يصار إليه إلا لضرورة

المسألة الثالثة قرىء سلاسلًا بالتنوين وكذلك قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ ومنهم من يصل بغير تنوين ويقف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت