فهرس الكتاب

الصفحة 6247 من 6606

السؤال الثاني دلت هذه الآية على أنه تعالى يزيد في عذاب الكافر أبدًا فتلك الزيادة إما أن يقال إنها كانت مستحقة لهم أو غير مستحقة فإن كانت مستحقة لهم كان تركها في أول الأمر إحسانًا والكريم إذا أسقط حق نفسه فإنه لا يليق به أن يسترجعه بعد ذلك وأما إن كانت تلك الزيادة غير مستحقة كان إيصالها إليهم ظلمًا وإنه لا يجوز على الله الجواب كما أن الشيء يؤثر بحسب خاصية ذاته فكذا إذا دام ازداد تأثيره بحسب ذلك الدوام فلا جرم كلما كان الدوام أكثر كان الإيلام أكثر وأيضًا فتلك الزيادة مستحقة وتركها في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط والله علم بما أراد

واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد الأخيار وهو أمور

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا

أولها قوله تعالى إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا أما المتقي فقد تقدم تفسيره في مواضع كثيرة ومفازًا يحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى فوزًا وظفرًا بالبغية ويحتمل أن يكون موضع فوز والفوز يحتمل أن يكون المراد منه فوزًا بالمطلوب وأن يكون المراد منه فوزًا بالنجاة من العذاب وأن يكون المراد مجموع الأمرين وعندي أن تفسيره بالفوز بالمطلوب أولى من تفسيره بالفوز بالنجاة من العذاب ومن تفسيره بالفوز بمجموع الأمرين أعني النجاة من الهلاك والوصول إلى المطلوب وذلك لأنه تعالى فسر المفاز بما بعده وهو قوله مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا فوجب أن يكون المراد من المفاز هذا القدر فإن قيل الخلاص من الهلاك أهم من حصول اللذة فلم أهمل الأهم وذكر غير الأهم قلنا لأن الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز باللذة والخير أما الفوز باللذة والخير فيستلزم الخلاص من الهلاك فكان ذكر هذا أولى

حَدَآئِقَ وَأَعْنَابًا

وثانيها قوله تعالى حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا والحدائق جمع حديقة وهي بستان محوط عليه من قولهم أحدقوا به أي أحاطوا به والتنكير في قوله وَأَعْنَابًا يدل على تعظيم حال تلك الأعناب

وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا

وثالثها قوله تعالى وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا كواعب جمع كاعب وهي النواهد التي تكعبت ثديهن وتفلكت أي يكون الثدي في النتوء كالكعب والفلكة

وَكَأْسًا دِهَاقًا

ورابعها قوله تعالى وَكَأْسًا دِهَاقًا وفي الدهاق أقوال الأول وهو قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي والمبرد و دِهَاقًا أي ممتلئة دعا ابن عباس غلامًا له فقال اسقنا دهاقًا فجاء الغلام بها ملأى فقال ابن عباس هذا هو الدهاق قال عكرمة ربما سمعت ابن عباس يقول اسقنا وادهق لنا القول الثاني دهاقًا أي متتابعة وهو قول أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد قال الواحدي وأصل هذا القول من قول العرب أدهقت الحجارة إدهاقًا وهو شدة تلازمها ودخول بعضها في بعض ذكرها الليث والمتتابع كالمتداخل القول الثالث يروى عن عكرمة أنه قال دِهَاقًا أي صافية والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع داهق وهو خشبتان يعصر بهما والمراد بالكأس الخمر قال الضحاك كل كأس في القرآن فهو خمر التقدير وخمرًا ذات دهاق أي عصرت وصفيت بالدهاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت