فهرس الكتاب

الصفحة 6300 من 6606

الاحتمال الثاني أن يكون المراد قيل قيام القيامة بل عند ظهور أشراط الساعة وانقطاع التكاليف وحين لا ينفع العمل بعد ذلك كما قال رَبّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا فيكون ما عمله الإنسان إلى تلك الغاية هو أول أعماله وآخرها لأنه لا عمل له بعد ذلك وهذا القول ذكره القفال

ياأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِى أَى ِّ صُورَة ٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ

اعلم أنه سبحانه لما أخبر في الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر في هذه الآية ما يدل عقلًا على إمكانه أو على وقوعه وذلك من وجهين الأول أن الإله الكريم الذي لا يجوز من كرمه أن يقطع موائد نعمه عن المذنبين كيف يجوز في كرمه أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم الثاني أن القادر الذي خلق هذه البنية الإنسانية ثم سواها وعدلها إما أن يقال إنه خلقها لا لحكمة أو لحكمة فإن خلقها لا لحكمة كان ذلك عبثًا وهو غير جائز على الحكيم وإن خلقها لحكمة فتلك الحكمة إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد والأول باطل لأنه سبحانه متعال عن الاستكمال والانتفاع فتعين الثاني وهو أنه خلق الخلق لحكمة عائدة إلى العبد وتلك الحكمة إما أن تظهر في الدنيا أو في دار سوى الدنيا والأول باطل لأن الدنيا دار بلاء وامتحان لا دار الانتفاع والجزاء ولما بطل كل ذلك ثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى فثبت أن الاعتراف بوجود الإله الكريم الذي يقدر على الخلق والتسوية والتعديل يوجب على العاقل أن يقطع بأنه سبحانه يبعث الأموات ويحشرهم وذلك يمنعهم من الاعتراف بعدم الحشر والنشر وهذا الاستدلال هو الذي ذكر بعينه في سورة التين حيث قال لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ إلى أن قال فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِالدّينِ ( التين 7 4 ) وهذه المحاجة تصلح مع العرب الذين كانوا مقرين بالصانع وينكرون الإعادة وتصلح أيضًا مع من ينفي الإبتداء والإعادة معًا لأن الخلق المعدل يدل على الصانع وبواسطته يدل على صحة القول بالحشر والنشر فإن قيل بناء هذا الاستدلال على أنه تعالى حكيم ولذلك قال في سورة التين بعد هذا الاستدلال أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( التين 8 ) فكان يجب أن يقول في هذه السورة ما غرك بربك الحكيم الجواب أن الكريم يجب أن يكون حكيمًا لأن إيصال النعمة إلى الغير لو لم يكن مبنيًا على داعية الحكمة لكان ذلك تبذيرًا لا كرمًا أما إذا كان مبنيًا على داعية الحكمة فحينئذ يسمى كرمًا إذا ثبت هذا فنقول كونه كريمًا يدل على وقوع الحشر من وجهين كما قررناه أما كونه حكيمًا فإنه يدل على وقوع الحشر من هذا الوجه الثاني فكان ذكر الكريم ههنا أولى من ذكر الحكيم هذا هو تمام الكلام في كيفية النظم ولنرجع إلى التفسير أما قوله الْقُرْءانَ خَلَقَ الإِنسَانَ ففيه قولان أحدهما أنه الكافر لقوله من بعد ذلك كَلاَّ بَلْ تُكَذّبُونَ بِالدّينِ ( الإنفطار 9 ) وقال عطاء عن ابن عباس نزلت في الوليد بن المغيرة وقال الكلبي ومقاتل نزلت في ابن الأسد بن كلدة بن أسيد وذلك أنه ضرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت