فهرس الكتاب

الصفحة 6526 من 6606

فليعبدوا رب هذا البيت الذي قصده أصحاب الفيل ثم إن رب البيت دفعهم عن مقصودهم لأجل إيلافكم ونفعكم لأن الأمر بالعبادة إنما يحسن مرتبًا على إيصال المنفعة فهذا يدل على تعلق أول هذه السورة بالسورة المتقدمة

القول الثاني وهو أن اللام في لإِيلَافِ متعلقة بقوله فَلْيَعْبُدُواْ وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي ليجعلوا عبادتهم شكرًا لهذه النعمة واعترافًا بها فإن قيل فلم دخلت الفاء في قوله فَلْيَعْبُدُواْ قلنا لما في الكلام من معنى الشرط وذلك لأن نعم الله عليهم لا تحصى فكأنه قيل إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبده لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة

القول الثالث أن تكون هذه اللام غير متعلقة لا بما قبلها ولا بما بعدها قال الزجاج قال قوم هذه اللام لام التعجب كأن المعنى اعجبوا لإيلاف قريش وذلك لأنهم كل يوم يزدادون غيًا وجهلًا وانغماسًا في عبادة الأوثان والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم وينظم أسباب معايشهم وذلك لا شك أنه في غاية التعجب من عظيم حلم الله وكرمه ونظيره في اللغة قولك لزيد وما صنعنا به ولزيد وكرامتنا إياه وهذا اختيار الكسائي والأخفش والفراء

المسألة الثانية ذكروا في الإيلاف ثلاثة أوجه أحدها أن الإيلاف هو الإلف قال علماء اللغة ألفت الشيء وألفته إلفًا وإلافًا وإيلافًا بمعنى واحد أي لزمته فيكون المعنى لإلف قريش هاتين الرحلتين فتتصلا ولا تنقطعا وقرأ أبو جعفر لإلف قريش وقرأ الآخرون لإلاف قريش وقرأ عكرمة ليلاف قريش وثانيها أن يكون هذا من قولك لزمت موضع كذا وألزمنيه الله كذا تقول ألفت كذا وألفنيه الله ويكون المعنى إثبات الألفة بالتدبير الذي فيه لطف ألف بنفسه إلفًا وآلفه غيره إيلافًا والمعنى أن هذه الألفة إنما حصلت في قريش بتدبير الله وهو كقوله وَلَاكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ وقال وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وقد تكون المسرة سببًا للمؤانسة والاتفاق كما وقعت عند انهزام أصحاب الفيل لقريش فيكون المصدر ههنا مضافًا إلى المفعول ويكون المعنى لأجل أن يجعل الله قريشًا ملازمين لرحلتيهم وثالثها أن يكون الإيلاف هو التهيئة والتجهيز وهو قول الفراء وابن الأعرابي فيكون المصدر على هذا القول مضافًا إلى الفاعل والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا وقرأ أبو جعفر ليلاف بغير همز فحذف همزة الإفعال حذفًا كليًا وهو كمذهبه في يستهزءون وقد مر تقريره

المسألة الثالثة التكرير في قوله لإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ هو أنه أطلق الإيلاف أولًا ثم جعل المقيد بدلًا لذلك المطلق تفخيمًا لأمر الإيلاف وتذكيرًا لعظيم المنة فيه والأقرب أن يكون قوله لإِيلَافِ قُرَيْشٍ عامًا بجمع كل مؤانسة وموافقة كان بينهم فيدخل فيه مقامهم وسيرهم وجميع أحوالهم ثم خص إيلاف الرحلتين بالذكر لسبب أنه قوام معاشهم كما في قوله وَجِبْرِيلُ وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة تقول العرب ألفت كذا أي لزمته والإلزام ضربان إلزام بالتكليف والأمر وإلزام بالمودة والمؤانسة فإنه ءذا أحب المرء شيئًا لزمه ومنه وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَة َ التَّقْوَى كما أن الإلجاء ضربان أحدهما لدفع الضرر كالهرب من السبع والثاني لطلب النفع العظيم كمن يجد مالًا عظيمًا ولا مانع من أخذه لا عقلًا ولا شرعًا ولا حسًا فإنه يكون كالملجأ إلى الأخذ وكذا الدواعي التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت