فهرس الكتاب

الصفحة 6553 من 6606

المسألة الخامسة اعلم أن من تأمل في مطالع هذه السورة ومقاطعها عرف أن الفوائد التي ذكرناها بالنسبة إلى ما استأثر الله بعلمه من فوائد هذه السورة كالقطرة في البحر روى عن مسيلمة أنه عارضها فقال إنا أعطيناك الجماهر فصل لربك وجاهر إن مبغضك رجل كافر ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب لوجوه أحدها أن الألفاظ والترتيب مأخوذان من هذه السورة وهذا لا يكون معارضة وثانيها أنا ذكرنا أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها وكالأصل لما بعدها فذكر هذه الكلمات وحدها يكون إهمالًا لأكثر لطائف هذه السورة وثالثها التفاوت العظيم الذي يقر به من له ذوق سليم بين قوله إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الاْبْتَرُ وبين قوله إن مبغضك رجل كافر ومن لطائف هذه السورة أن كل أحد من الكفار وصف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بوصف آخر فوصفه بأنه لا ولد له وآخر بأنه لا معين له ولا ناصر له وآخر بأنه لا يبقى منه ذكر فالله سبحانه مدحه مدحًا أدخل فيه كل الفضائل وهو قوله إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ لأنه لما لم يقيد ذلك الكوثر بشيء دون شيء لا جرم تناول جميع خيرات الدنيا والآخرة ثم أمره حال حياته بمجموع الطاعات لأن الطاعات إما أن تكون طاعة البدن أو طاعة القلب أما طاعة البدن فأفضله شيئان لأن طاعة البدن هي الصلاة وطاعة المال هي الزكاة وأما طاعة القلب فهو أن لا يأتي بشيء إلا لأجل الله واللام في قوله اقْنُتِى لِرَبّكِ يدل على هذه الحالة ثم كأنه نبه على أن طاعة القلب لا تحصل إلا بعد حصول طاعة البدن فقدم طاعة البدن في الذكر وهو قوله فَصْلٌ وأخر اللام الدالة على طاعة القلب تنبيهًا على فساد مذهب أهل الإباحة في أن العبد قد يستغني بطاعة قلبه عن طاعة جوارحه فهذه اللام تدل على بطلان مذهب الإباحة وعلى أنه لا بد من الإخلاص ثم نبه بلفظ الرب على علو حاله في المعاد كأنه يقول كنت ربيتك قبل وجودك أفأترك تربيتك بعد مواظبتك على هذه الطاعات ثم كما تكفل أولًا بإفاضة النعم عليه تكفل في آخر السورة بالذب عنه وإبطال قول أعدائه وفيه إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول بإفاضة النعم والآخر بتكميل النعم في الدنيا والآخرة والله سبحانه وتعالى أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت