فهرس الكتاب

الصفحة 6590 من 6606

كل مالا يليق به الوجه الثاني وهو أن ليلة القدر لكونها صدقًا للقرآن كانت خيرًا من ألف شهر فالقرآن كله صدف والدر هو قوله قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلا جرم حصلت لها هذه الفضيلة الوجه الثالث وهو أن الدليل العقلي دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه مستنيرًا بنور جلال الله وكبريائه وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة فكانت هذه السورة أعظم السور فإن قيل فصفات الله أيضًا مذكورة في سائر السور قلنا لكن هذه السورة لها خاصية وهي أنها لصغرها في الصورة تبقى محفوظة في القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر جلال الله حاضرًا أبدًا بهذا السبب فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه الفضائل وليرجع الآن إلى التفسير

قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فيه مسائل

المسألة الأولى اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذا لجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه ولا كان القبر سجنًا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه ثم إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل فصارت جنة مطلقة وبيان ما قلنا أن العقل يريد أمينًا تودع عنده الحسنات والشهوة تريد غنيًا يطلب منه المستلذات بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غني فإنه ينشط للانتجاع إليه بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة فلما عرفاه كما أراده عالمًا وغنيًا تعلقا بذيله فقال العقل لا أشكر أحدًا سواك وقالت الشهوة لا أسأل أحدًا إلا إياك ثم جاءت الشبهة فقالت يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلًا ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا بابًا آخر فبقي العقل متحيرًا وتنغصت عليه تلك الراحة فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري فبعث الله رسوله وقال لا تقله من عند نفسك بل قل هو الذي عرفته صادقًا يقول لي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل والسمع معًا وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَة ٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا

المسألة الثانية اعلم أنهم أجمعوا على أنه لا بد في سورة قُلْ ياأَهْلَ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة تُبْتُ وأما في هذه السورة فقد اختلفوا فالقراءة المشهورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقرأ أبي وابن مسعود بغير قل هكذا هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقرأ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بدون قل هو هكذا اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ فمن أثبت قل قال السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره بل يحكي كل ما يقال له ومن حذفه قال لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلومًا للنبي عليه الصلاة والسلام

المسألة الثالثة اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوهًا أحدها أن هو كناية عن اسم الله فيكون قوله الله مرتفعًا بأنه خبر مبتدأ ويجوز في قوله أَحَدٌ ما يجوز في قولك زيد أخوك قائم الثاني أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت