يعوقنا عن الكمال في هذه الصناعة، وذلك أني لم أزاولها كبير مزاولة اللهم إلا في نفسي أو في أقرباء لنا أو أصدقاء ... ) [1] .
كما أنه كان على علم بعلم الفلك (ويوجد بين ملاحظاته ما يفوق أفق عصره بمراحل) [2] ورغم ما يبدو من مسحة الشمول على معارف ابن رشد فإن شهرته تعود أساسا إلى الفلسفة والتي كانت في بعض جوانبها سببا في ضمور شهرته في جوانب معرفية أخرى وخصوصا لدى المسلمين إلى عهد قريب (قال ابن الزبير: كان من أهل العلم والتفنن، وأخذ الناس عنه واعتمدوه إلى أن شاع عنه ما كان الغالب عليه في علومه من اختيار العلوم القديمة والركون إليها( ... ) وحاد عن ما عليه أهل السنة. فترك الناس الرواية عنه .. ) [3] .
فلسفته وعقيدته:
قسم بعض الدارسين فلسفته إلى قسمين رئيسيين: قسم تركيبي انتقائي لم يكن فيها بدعا من الفلاسفة المسلمين الذين سبقوه بحيث حرص مثلهم على التوفيق بين الدين والفلسفة، ويمثل هذا القسم كتبه الثلاثة: فصل المقال، والكشف عن مناهج الأدلة، ومقالة فيما يعتقده المشاءون وما يعتقده المتكلمون.
وقسم تحليلي نقدي تمثله شروحه لكتب أرسطو، وفيها امتاز على غيره من الفلاسفة وجعله معدودا من كبارهم وأثبت له مدرسة متميزة دعاها الغربيون بالرشدية (ولم يكن مجرد شارح أو ناقل وإنما كان ممثلا للعبقرية الإسلامية التي تجلو الغوامض. وتضيف أكثر مما تأخذ، وكان أثناء شرحه يدخل فلسفته الأصلية فيما يشرح، وتبدو شخصيته قوية في شروحه فيحذف ما يرى حذفه، ويضيف ما تجب إضافته وأحيانا يبقي على النص لا يغير فيه شيئا. وهكذا يصول صولة الخبير والعبقري الناقد ويجول جولة العالم العظيم) [4] .
فانتهى أمره عند الغربيين بشرحه الأكبر إلى تكوين قطب ثبت في الفلسفة (فالطبيعة تفسر بأرسطو وأرسطو يفسر بابن رشد) [5] ورغم هذا الإعجاب الظاهري من الغربيين بفلسفة ابن رشد وتباكيهم على مصير الفلسفة في بلاد المسلمين بعد ابن رشد وخصوصا منهم رينان صاحب كتاب"ابن رشد والرشدية"فإنهم لا يلبثون يلمحون بل ويصرحون بأن أكبر عقل في نظرهم للحضارة الإسلامية لا يعدو أن يفهم عن العقل اليوناني الغربي ويشرح للناس مقصوده ومن ثم يشكر له عدم إتيانه كثير مناقضات للمعنى الحقيقي رغم تعامله مع ترجمات مبهمة غالبا [6] .
(1) كتاب الكليات لابن رشد ص193 من مخطوط غرناطة ورقة ظ من مخطوط مدريد نقلا عن المتن الرشدي ص 60
(2) رينان (ابن رشد والرشدية) ص62
(3) الأنصاري المراكشي (الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة) ج6 ص60
(4) سعيد زائد: مقال (ابن رشد وكتابه تهافت التهافت) مجلة تراث الإنسانية -المجلد السابع-العدد الثالث-مارس 1964 - مصر
(5) رينان (ابن رشد والرشدية) ص73
(6) نفسه: ص68