فهي لاتعرض غير ترجمة لاتينية من ترجمة عبرية لشرح قام على ترجمة عربية من ترجمة سريانية من أصل يوناني ولهذا فهي شروح كما يقول رينان: (لا يمكن أن يكون لنا بها غير متعة تاريخية، وإن من الجهد الضائع أن نحاول استخراج نور منها لتفسير أرسطو، وذلك كما لو أريد الإطلاع على راسين بمطالعته في ترجمة تركية أو صينية) [1] .
ويشير العقاد إلى ضرورة التمييز في الفلسفة الرشدية بين فلسفته كما فهمها الأوروبيون في لغتها اللاتينية أو العبرية التي ذاعت إبان سلطان محاكم التفتيش حيث نسب إلى ابن رشد كل ما يسوغ تحريم فلسفته من إلحاد وزندقة، وبين فلسفته كما كتبها هو واعتقدها ودلت عليها أقواله المحفوظة لدينا [2] ,وهذا ما يؤكده سلفادور غوميث نوغاليس أستاذ الفلسفة بالمعهد الإسباني العربي للثقافة بجامعة مدريد حيث يقول: (فابن رشد ليس هو الملحد العقلي كما صوره رينان، وليس هو الأرسطي الوثني الذي سلبنا الأبدية الشخصية للنفس الإنسانية بل هو مسلم أصيل حاول أن يتعمق في مدلولات الوحي القرآني من أجل طمأنة أهل دينه في المعضلات التي يمكن أن يطرحها العقل أو رجالات الديانات الأخرى) [3] .
ولعل القسم الأول من فلسفته هو الذي يمكن الاطمئنان إلى أنه يشكل فكر الرجل وعقيدته ولعل (ابن رشد تنبه إلى هذا فكتب مناهج الأدلة في صورة إسلامية بينما كانت شروحه لكتب أرسطو( ... ) خروجا عن الفكر الإسلامي متابعة لروح يوناني لفظه الإسلام لفظا تاما) [4] ولئن جاءت فلسفة الكندي وابن سينا وابن طفيل وابن ماجة وغيرهم تعبيرا عن محاولة التوفيق بين العقل والنقل فإن فلسفة ابن رشد قد حققت هذه الغاية وخاصة أن محاولة السابقين عنه قد اعتراها بعض النقص والقصور فانطلق من مبدإ أن العقل والدين يعبران في النهاية عن حقيقة واحدة. والحق لايضاد الحق بل يوافقه ويشهد له.
وورود الظاهر والباطن في الشر ع يوافق اختلاف نظر الناس وتباين قرائحهم وفيه تنبيه للراسخين في العلم على التأويل المناسب. فمثلا في الإستدلال على وجود الله يرفض أدلة أهل الظاهر والمتكلمين والمتصوفة وينقدها جميعا ثم يستدل بدليل العناية الإلهية الذي يلتقي مع استشهادات القرآن الكريم فهو برهان عقلي وديني أيضا وكذلك دليل الاختراع فكل شيء مسخر لابد أن يكون مخلوقا وإذا ثبت حدوثها كان ذلك دليلا على وجود الخالق وأجزاء العالم المخترعة لابد لها من مخترع وهو يوافق أدلة القرآن مثل قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت) (الغاشية 17) .
فهو دائما يشفع براهينه العقلية بآيات من القرآن الكريم تزيد براهينه قوة وتؤكد تطابق العقل والنقل وكذلك الشأن في الوحدانية حيث يستدل بقوله تعالى: (لو كان
(1) نفسه: ص69
(2) عباس محمود العقاد (ابن رشد) ص 30 - 31 - سلسلة نوابغ الفكر العربي -دار المعارف - مصر
(3) محاضرات ومناقشات الملتقى العاشر للفكر الإسلامي بعنابة -10 - 19 يونيو1976 - المجلد الأول-ص98 - منشورات وزارة الشؤون الدينية-الجزائر
(4) علي سامي النشار (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) ج1 ص204 دار المعارف، مصر، ط 5 - 1971