فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (الأنبياء: 21) ويقول: (فكأنه قال: لو كان فيهما آلهة إلا الله لوجد العالم فاسدا في الآن، ثم استثنى أنه غير فاسد، فواجب إلا أن يكون هنالك الإله واحد) [1] . وهذا الأسلوب العقلي في البرهنة يتخذه ابن رشد في معالجة كثير من المسائل العقائدية الأخرى مثل صفات الله، واضعا في الاعتبار ضرورة التفريق بشكل حاسم بين عالم الغيب وعالم الشهادة وكذلك برهنته على صحة القضاء والقدر والبعث وخلود النفس بأدلة تقنع الخاصة والعامة معا. وهكذا حققت فلسفته إمكانية طالما اشرأبت إليها أعناق المفكرين والفلاسفة وهي التقاء العقل بالدين وتطابق الحكمة والشريعة.
وما يؤخذ على ابن رشد بغض النظر عن مضمون فلسفته وخصوصا في شروحه على كتب أرسطو_ الإعجاب الشديد بأرسطو إذ كان يراه الإنسان الأكمل والمفكر الأعظم الذي وصل إلى الحق الذي لا يشوبه باطل، وأنه حتى لو تم اكتشاف أشياء جديدة في الفلك والطبيعة لما غير ذلك من هذا الحكم شيئا. ويرى أن مذهبه لا يتعارض مع أسمى معرفة يستطيع أن يبلغها إنسان، ويرى أن الإنسانية عبر تاريخها بلغت في شخص أرسطو درجة عالية يستحيل أن يسطو عليها أحد.
بل يعتبره أسمى صورة تمثل فيها العقل الإنساني، ويميل إلى تسميته بالفيلسوف الإلهي. فهو يقول في تلخيص القياس: (فما أعجب شأن هذا الرجل وما أشد مباينة فطرته للفطر الإنسانية حتى كأنه الذي أبرزته العناية الإلهية لتوقفنا معشر الناس على وجود الكمال الأقصى في النوع الإنساني محسوسا ومشارا إليه بما هو إنسان ولذلك كان القدماء يسمونه الإلهي) [2] . ولهذا فإنه ليس (في أقاويل أرسطو شيء يحتاج إلى تتميم) [3] وأن (نظره فوق جميع الناس) [4] . وهو أقصى ما يمكن أن يبلغه الشطط في الإعجاب والتقدير.
ولعل وقوعه رحمه الله في مثل هذه الأخطاء وغيرها قد جر عليه ردود فعل عدد من الفقهاء وصل بعضها إلى رميه بسوء المعتقد، فهذا ابن دقيق العيد (ت 702هـ) يرد عليه في رفضه تكفير الفلاسفة بسبب إنكارهم لقضايا مجمع عليها في الاعتقاد (وقد قال ابن دقيق العيد: أما من قال: إن دليل الإجماع ظني , فلا سبيل إلى تكفير مخالفه كسائر الظنيات , وأما من قال: إن دليله قطعي , فالحكم المخالف فيه إما أن يكون طريق إثباته قطعيا أو ظنيا. فإن كان ظنيا , فلا سبيل إلى التكفير , وإن كان قطعيا , فقد اختلفوا فيه ولا يتوجه الخلاف فيما تواتر من ذلك عن صاحب الشرع بالنقل , فإنه يكون تكذيبا موجبا للكفر بالضرورة , وإنما يتوجه الخلاف فيما حصل فيه الإجماع بطريق قطعي , أعني أنه ثبت وجود الإجماع به إذا لم ينقل أهل الإجماع الحكم بالتواتر عن صاحب الشرع , فتلخص
(1) ابن رشد (الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة) ص68 - 69 ضمن (فلسفة ابن رشد) دار الآ فاق الجديدة-بيروت-1982
(2) المتن الرشدي ص144
(3) نفسه: ص171
(4) نفسه: 105