فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 979

التأثير الفقهي والأصولي:

لا يذكر ابن رشد الحفيد عادة إلا ويقرن بتأثيره الفلسفي والفكري العام وخصوصا عند غير المسلمين. ويبدو الحديث عن الجوانب الفقهية والأصولية باهتا، والحال أننا أمام مجالين مختلفين: مجال الفلسفة الذي يبقى محدودا في تأثيره على مستوى الأمة، ومحدودا في عدد المنشغلين به، حيث يسهل فيه التميز والبروز. بخلاف المجال الفقهي الذي يشكل السواد الأعظم من ثقافة الأمة ويشتغل فيه بحر زاخر من الأعلام.

يضاف إلى هذا طبيعة شخصية ابن رشد الذي غلب على عطائه وإنتاجه الجانب الفلسفي فكانت شهرته فيه أكبر. ولا شك أن هذه الشهرة وما صاحبها من نكبة ومحنة قد تكون ألقت بظلال من النفرة في بعض الأوساط الفقهية فقللت من تأثيره فيها، وكذا وجود جده-أحد الأعلام البارزين في الفقه المالكي في الغرب الإسلامي- والذي خطف منه الأضواء بحيث لا يذكر ابن رشد في الفقه إلا وينصرف الاهتمام إلى الجد، كما قال أستاذي الفاضل العلامة أحمد بن محمد البوشيخي حفظه الله في رسالته عن الفندلاوي (لم يكن للمالكية كبير عناية بكتب الخلاف، ولا بالنقل عنها، لأنها بمقارنة المذهب بغيره، ونقل أقوال وأدلة غيره، مع أقواله وأدلته، تعتبر في نظرهم قد أساءت إلى إمام المذهب وحطت من قدره وقيمته، يدلك على هذا أن كتاب"بداية المجتهد"وهو ما هو، وكان معلوما للعلماء منذ تأليفه، ومع ذلك فإنا نكاد ألا نقف على نقل عنه مصرح به، لدى مالكية المغرب قبل هذا القرن العشرين تقريبا، وحيثما ذكر ابن رشد في كتبهم فالمراد جده) [1]

وفي هذا الكلام أيضا إشارة إلى مبرر آخر في ضعف الاهتمام به، ويتعلق الأمر بطبيعة تأليف ابن رشد الذي نزع فيه نحو التأصيل وبسط أدلة وأسباب الاختلاف وعرض المذاهب المختلفة، وهي بضاعة عزيزة في سوق غلب عليه فقه الفروع الخاص بالمذهب المتبع.

ثم إن الحديث عن التأثير في المجال الفقهي إذا استثنينا أئمة المذاهب والمجتهدين داخلها وأصحاب الوجوه والآراء المعتبرة فيها، يصعب تحديده بدقة أمام كثرة الشيوخ الذين يأخذ عنهم التلميذ والمؤلفات المبسوطة في هذا الشأن، فلا يبقى أمامنا سوى اعتماد بعض المؤشرات الظنية مثل مجرد التلمذة عليه، وأخذ من بعده من كتبه بنقل نص أو تلخيص رأي أو مناقشته في موقف، أو مجرد الإحالة عليه وذكر إسمه أو كتابه. وهذا مما يصعب استقصاؤه وتتبعه عبر القرون بعده. وقد حاولت القيام بشيء مما ذكر، وفيما يلي بعض ما تيسر من ذلك:

قال الإمام بدر الدين بن محمد بهادر الزركشي (ت794هـ) صاحب البحر المحيط: (وحكى صاحب"الكبريت الأحمر"عن ابن رشد، أن الحكم في الأفعال كالحكم في الأقوال) [2] وذكر في موضع آخر أن كتاب"الكبريت الأحمر"لأبي الفضل

(1) كتاب تهذيب المسالك في نصرة مذهب مالك لأبي الحجاج يوسف بن دوناس الفندلاوي (ت543هـ) القسم الخاص بالدراسة ج 1 ص: 274 من منشورات وزارة الأوقاف المغربية-مطبعة فضالة-1419هـ-1998م

(2) بدر الدين بن محمد بهادر الزركشي (ت794هـ) (البحر المحيط) ج 6 ص44 الناشر: دار الكتبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت