الخوارزمي، والذي يبدو أنه: أبو الفضل محمد بن أبي القاسم البقالي الخوارزمي الحنفي (ت 586هـ) صاحب جمع التفاريق في الفروع [1] وإذا ما صح هذا يكون- من خلال ما وصل إلينا - من أوائل من نقلوا عن ابن رشد أي في حياته، ويقابله في الضروري في أصول الفقه لابن رشد قوله: (وإذا وردت أفعاله عليه السلام تفسيرا أو بيانا لعام، كان حكمهما حكم القولين إذا تعارضا) [2] ووجب التنبيه أن ابن رشد ألف الضروري في أصول الفقه حوالي 552هـ فيكون الإطلاع عليه أمرا ممكنا.
وبعده الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي (ت 684هـ) لخص كلام ابن رشد في"البداية"في كتابه"الفروق"غير أنه سماه قواعد ابن رشد، قال القرافي: (تنبيه: قال ابن رشد في كتاب القواعد: الذين قصروا الربا على الستة إما منكرو القياس وهم الظاهرية أو منكرو قياس الشبه خاصة وأن القياس في هذا الباب شبه فلم يقولوا به وهو القاضي أبو بكر الباقلاني فلا جرم لم يلحق بما ذكر في الحديث إلا الزبيب فقط ; لأنه من باب لا فارق وهو قياس المعنى وهو غير قياس الشبه وقياس العلة) [3] .
يقابله في"البداية": (إن الذين قصروا صنف الربا على هذه الأصناف الستة فهم أحد صنفين إما قوم نفوا القياس في الشرع أعني استنباط العلل من الألفاظ وهم الظاهرية وإما قوم نفوا قياس الشبه وذلك أن جميع من ألحق المسكوت عنه ههنا بالمنطوق به فإنما ألحقه بقياس الشبه لا بقياس العلة إلا ما حكي عن ابن الماجشون أنه اعتبر في ذلك المالية وقال علة منع الربا إنما هي حياطة الأموال يريد منع العين وأما القاضي أبو بكر الباقلاني فلما كان قياس الشبه عنده ضعيفا وكان قياس المعنى عنده أقوى منه اعتبر في هذا الموضع قياس المعنى إذ لم يتأت له قياس علة فألحق الزبيب فقط بهذه الأصناف الأربعة لأنه زعم أنه في معنى التمر) [4]
وكأني بالقرافي بوضعه لكتاب"الفروق"يستجيب لدعوة ابن رشد، فلطالما أكد على وضع قوانين للقول الفقهي تساعد على ضبط تفريعاته وعلى البث في المستجدات من غير مناقضة الأصول، من ذلك قوله: (أن الإنسان إذا سئل عن أشياء متشابهة في أوقات مختلفة ولم يكن عنده قانون يعمل عليه في تمييزها إلا ما يعطيه بادىء النظر في الحال، جاوب فيها بجوابات مختلفة فإذا جاء من بعده أحد فرام أن يجري تلك الأجوبة على قانون واحد وأصل واحد عسر ذلك عليه وأنت تتبين ذلك من كتبهم) [5] وفي نفس هذا السياق يقول الإمام القرافي في مقدمة كتابه"الفروق"بعد الحديث عن أصول الفقه: (والقسم الثاني(أي من أصول الشريعة) قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه , لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه.
وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقي تفصيله لم يتحصل , وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه , ويشرف ويظهر رونق الفقه ويعرف وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف , فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء , وبرز القارح على الجذع وحاز قصب السبق من فيها برع, ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت وتزلزلت خواطره فيها واضطربت , وضاقت نفسه لذلك وقنطت , واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات , واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب.
وأجاب الشاسع البعيد وتقارب وحصل طلبته في أقرب الأزمان وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان فبين المقامين شأو بعيد وبين المنزلتين تفاوت شديد) [6] ويبين بعد ذلك شرف الاهتمام بالقواعد وبأنها تعدل شرف الأصول على الفروع. [7]
ونجد نفس الإحساس يعبر عنه ابن دقيق العيد (702هـ) عندما كان بصدد الحديث عن البدع ومدى الصعوبات التي تواجه من يتصدى للتمييز بين المقبول والمردود منها في مجالات الحياة الدنيوية وقضايا الفروع وكذا بدع الاعتقاد، فقال: (فهذا ما أمكن ذكره في هذا الموضوع , مع كونه من المشكلات القوية , لعدم الضبط فيه بقوانين تقدم ذكرها للسابقين. ) [8] ثم يوجه كلامه للنظار بضرورة التزام قوانين بعينها دفعا للتناقض وهدم ما يكون بناه في موضع آخر، فالواجب: (أن يستمر على طريقة واحدة , ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر , فيتثعلب نظره, وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالا واحدا. فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين) [9]
وفيما يمكن أن يكون من أثر للمنهج المعتمد في"البداية"من ميل إلى تقديم الدليل على مجرد الانتساب إلى المذهب نجد نماذج في صفوف المالكية مثل أبي القاسم بن عبد الله بن محمد بن محمد الأنصاري المعروف بابن الشاط (ت 723هـ)
(1) كشف الظنون ج 1 ص595 وذكر في موضع آخر: ج 1ص 132 أنه توفي 576هـ وأيده في ذلك صاحب طبقات الحنفية ج1ص372)، وتجدر الإشارة إلى أني رجحت أبي الفضل الخوارزمي هذا على آخر يحمل نفس الإسم لأنه ذكر له مؤلف في الفقه، بينما آخر ت 609هـ لم يذكر له صاحب شذرات الذهب (ج3ص38) سوى سماعه من محدث أصفهان الشهير: زاهر الشحامي (ت533هـ) (شذرات الذهب ج2ص102) ويبدو أننا أمام أسرة علمية تحمل نفس اللقب: الجد (أبي الفضل محمد أبي القاسم الخوارزمي البقالي الحنفي) الذي عرف بمؤلفاته في العربية والتفسير وعلوم القرآن ت562هـ (كشف الظنون 1/ 84) وصاحبنا (أبي الفضل محمد بن أبي القاسم البقالي الخوارزمي الحنفي) الذي رجحنا أن يكون صاحب"الكبريت الأحمر"والحفيد (أبي الفضل محمد بن محمد الخوارزمي ت609هـ) الذي يظهر أنه في عداد المحدثين.
(2) أبو الوليد محمد بن رشد الحفيد (الضروري في أصول الفقه أو المستصفى) ص 134 تحقيق جمال الدين العلوي-دار الغرب الإسلامي-بيروت-1994
(3) أحمد بن إدريس القرافي (ت 684هـ) "أنوار البروق في أنواء الفروق"ج3ص264 - عدد الأجزاء: 4 - الناشر: عالم الكتب
(4) بداية المجتهد ج: 2 ص: 98
(5) (بداية المجتهد ج: 2 ص: 104وانظر في نفس المعنى: ج2ص147 - 152
(6) "الفروق"ج 1 ص2
(7) نفس المرجع والصفحة
(8) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام) ج 1 ص201 - مطبعة السنة المحمدية
(9) نفسه: ج1 ص259