فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 979

أورد ابن رشد نموذجا مثاليا للطريقة التي ود لو سلكها في الكتاب كله لولا خوف الطول، وهي التي عرضها عندما كان بصدد المسألة الأولى [1] من الباب الثالث المتعلق بالمياه,حيث ذكر الاختلاف الوارد في الباب، وأصحاب كل رأي فيه، وسبب الاختلاف الواقع بينهم، وعرض لمنهج العلماء في التعامل مع هذا السبب، وكيف يدفع تعارض ظواهر الأحاديث, وبين ما يعترض كل رأي ووجاهة ما يراه. ورجح الأولى والأحسن طريقة بعد مناقشة مستفيضة بل أحدث رأيا جديدا ودحض الرأي المخالف، ولم يبال أن يكون هو الرأي الذي استقر عليه الفقهاء أو يعجب به كثير من المتأخرين.

فقد بدأ حديثه في الباب الثالث في المياه بذكر أصل وجوب الطهارة وما ورد من آيات في الموضوع وذكر إجماع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها إلا ما كان من خلاف شاذ في الصدر الأول في التطهر بماء البحر , واعتبرأ صحابه محجوجون بتناول اسم الماء المطلق لماء البحر وبالأثر الذي خرجه مالك وهو قوله عليه الصلاة والسلام في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .

وكذلك إجماعهم على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالبا أنه لا يسلبه الطهارة والتطهير، إلا خلافا شاذا رد فيه ابن رشد على صاحبه. واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة إما طعمه، أو لونه أو ريحه أو أكثر من واحدة من هذه الأوصاف أنه لا يجوز به الوضوء , وأن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه وأنه طاهر. وبعد ذكر الإجماع الوارد في الباب شرع في ذكر ما اختلف فيه من مسائل تجري مجرى القواعد والأصول للباب.

وأولى هذه المسائل اختلافهم في الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه.

أ- الأقوال الواردة في الموضوع:

1 -قول أهل الظاهر ورواية عن مالك: هو طاهر سواء أكان كثيرا أم قليلا.

2 -قول أبي حنيفة والشافعي: بالفرق بين القليل والكثير. بحيث يكون نجسا إن كان قليلا وغير نجس إن كان كثيرا. وحد الكثرة عند أبي حنيفة إذا حركه آدمي من أحد طرفيه لم تسر الحركة إلى الطرف الثاني منه، وأما عند الشافعي فقلتان من قلال هجر وذلك نحو خمسمائة رطل.

3 -رواية عن مالك: أن النجاسة تفسد قليل الماء وإن لم تغير أحد أوصافه , ولم يحد في ذلك حدا.

4 -رواية أخرى عن مالك: القول بكراهة الماء اليسير تحل فيه النجاسة اليسيرة.

ب-ذكر سبب الاختلاف:

حدده ابن رشد في تعارض ظواهر الأحاديث الواردة في الموضوع واختلاف العلماء في طريق الجمع بينها.

1 -الأحاديث الواردة في الموضوع:

(1) بداية المجتهد: ج: 1 ص: 16 - 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت