-حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها الإناء , فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) [1]
-حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه) .
-ما ورد من النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم. أقول قد جاء في كتاب الطهارة من صحيح مسلم باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد من حديث أبي هريرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) فقال رجل كيف يفعل يا أبا هريرة؟ فقال: يتناوله تناولا. وعند أبي داود كتاب الطهارة من السنن باب البول في الماء الراكد من وجه آخر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة) .
وهي أحاديث يفهم من ظاهرها أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء. أما ما يفيد بظاهره أن قليل النجاسة لا يفسد قليل الماء فهي الأحاديث التالية:
-حديث أنس الثابت: (أن أعرابيا قام إلى ناحية من المسجد فبال فيها , فصاح به الناس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه. فلما فرغ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنوب ماء فصب على بوله) إذ معلوم أن ذلك الموضع قد طهر من ذلك الذنوب.
-حديث أبي سعيد الخدري كذلك أيضا أخرجه أبو داود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: (إنه يستقى من بئر بضاعة , وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحائض وعفرة الناس , فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الماء لا ينجسه شيء) .
2 -منهج العلماء في التعامل مع الأحاديث الواردة:
-أهل الظاهر ورواية عن مالك: استندوا في قولهم بطهر الماء سواء أكان كثيرا أم قليلا , إلى ظاهر حديث الأعرابي وحديث أبي سعيد. وأما عن حديثي أبي هريرة فعندهم غير معقولي المعنى , وامتثال ما تضمناه يكون عبادة, لا لأن ذلك الماء ينجس , حتى أن الظاهرية أفرطت في ذلك, فقالت: لو صب البول إنسان في ذلك الماء من قدح , لما كره الغسل والوضوء به.
-رواية الكراهة عن مالك: مستندها حمل حديثي أبي هريرة على الكراهة وحمل حديث الأعرابي وحديث أبي سعيد على ظاهرهما أي على الإجزاء.
-وأما الشافعي وأبو حنيفة: فجمعا بين حديثي أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري بأن حملا حديثي أبي هريرة على الماء القليل , وحديث أبي سعيد الخدري على الماء الكثير. ثم بين ابن رشد مستند كل منهما في حد الكثرة عندهما.
ولم يذكر مستند مالك في رواية أخرى عنه يرى فيها أن النجاسة تفسد قليل الماء وإن لم يتغير أحد أوصافه ولم يحد في ذلك حدا.
ج- تعقيب ومناقشة:
1 -مذهب الشافعي والإمام أبي حنيفة يعارضه حديث الأعرابي ولا بد.
2 -الشافعية يتولون البحث عن مخرج لهذا التعارض بتفريقهم بين ورود الماء على النجاسة, وورودها على الماء , فقالوا إن ورد عليها الماء كما في حديث الأعرابي لم ينجس , وإن وردت النجاسة على الماء كما في حديث أبي هريرة نجس.
3 -الجمهور من الفقهاء يردون هذا الرأي ويعتبرونه تحكما.
4 -ابن رشد يتولى الدفاع عن رأي الشافعية بأن له إذا تؤمل وجه من النظر, باستناده إلى إجماعين: إجماع على أن النجاسة اليسيرة لا تؤثر في الماء الكثير إذا كان الماء الكثير بحيث يتوهم أن النجاسة لا تسري في جميع أجزائه وأنه يستحيل عينها عن الماء الكثير. ويتفرع عن هذا الإجماع إجماع آخر على أن مقدار ما يتوضأ به يطهر قطرة البول الواقعة في الثوب أو البدن.
ويزيد المسألة تفصيلا بقوله: (فلا يبعد أن قدرا ما من الماء لوحله قدرا ما من النجاسة لسرت فيه ,ولكان نجسا. فإذا ورد ذلك الماء على النجاسة جزءا فجزءا فمعلوم أنه تفنى عين تلك النجاسة وتذهب قبل فناء ذلك الماء. وعلى هذا فيكون آخر جزء ورد من ذلك الماء قد طهر المحل)
5 -رد ابن رشد اعتراض الفقهاء المتأخرين على رأي الشافعية في نجاسة الماء القليل إذا وردت عليه النجاسة عندما قالوا: (لو كان قليل النجاسة ينجس قليل الماء. لما كان الماء يطهر أحدا أبدا إذ كان يجب على هذا أن يكون المنفصل من الماء عن الشيء النجس المقصود تطهبره أبدا نجسا) فقال ابن رشد بإنه قول لا معنى له وإن كان يعجب به كثير من المتأخرين وبأنهم احتجوا بموضع الإجماع على موضع الخلاف من حيث لم يشعروا بذلك. والموضعان في غاية التباين، وهو يشير إلى ما سبق أن ذكره من إجماع العلماء على أن مقدار ما يتوضأ به يطهر قطرة البول الواقعة في الثوب، أو البدن. واختلفوا إذا وقعت القطرة من البول في ذلك القدر من الماء.
د- رأي ابن رشد في الموضوع:
يقول في ذلك (وأولى المذاهب عندي وأحسنها طريقة في الجمع هو أن يحمل حديث أبي هريرة وما في معناه على الكراهية وحديث أبي سعيد وأنس على الجواز لأن هذا التأويل يبقي مفهوم الأحاديث على ظاهرها أعني حديثي أبي هريرة من أن المقصود بها تأثير النجاسة في الماء، وحد الكراهية عندي هو ما تعافه النفس وترى أنه ماء خبيث وذلك أن ما يعاف الإنسان شربه يجب أن يجتنب استعماله في القربة إلى الله تعالى وأن يعاف وروده على ظاهر بدنه كما يعاف وروده على داخله) [2] ثم ختم المسألة بقوله: (ولوددنا لو أن سلكنا في كل مسألة
(1) الحديث روي عن أبي هريرة بلفظ: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) رواه الجماعة ولكن البخاري لم يذكر العدد (نيل الأوطارج1ص162)
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 18 - 19