فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 979

هذا المسلك لكن رأينا أن هذا يقتضي طولا وربما عاق الزمان عنه وأن الأحوط هو أن نؤم الغرض الأول الذي قصدناه فإن يسر الله تعالى فيه وكان لنا انفساح من العمر فسيتم هذا الغرض) [1] ولهذا ما لبث يذكر بأنه يورد غالبا من المسائل ما يجري مجرى القواعد والأصول وأمهات الأمور المتفق عليها والمختلف فيها.

ويستحسن في هذا المجال عقد المقارنة بين ابن رشد وغيره، حتى يتضح الجديد عنده وما به يتميز، وسأعمد إلى هذه المسألة بعينها أي مخالطة النجاسة للماء بما لا يغير أحد أوصافه، وإن كان هذا بدوره لن يعطي الصورة كاملة.

لأننا نأخذ من ابن رشد أقوى ما عنده في الوقت الذي قد تكون قوة غيره من المؤلفين في غير هذه المسألة، إذ التأليف لا يكون عادة بنفس القوة في المواطن كلها فيفتح على المرء في مسألة ما لم يفتح له في أخرى، ولكن يبقى التسديد والتقريب مبلغ المنى. فنأخذ من المذهب المالكي"استذكار"ابن عبد البر و"منتقى"الباجي ومن المذهب الشافعي"المجموع"للنووي ومن المذهب الحنفي"مشكل الآثار"للطحاوي ومن المذهب الحنبلي"المغني"لابن قدامة ومن المذهب الظاهري"المحلى"لابن حزم

-"استذكار"ابن عبد البر:

أورد ابن عبد البرالمسألة في باب الطهورللوضوء من كتاب الطهارة وبدأه كعادته:

1 -بحديث الموطأ والذي فيه (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فتحدث بما تيسر عن إسناده ثم بعض الروايات الأخرى التي تعضد الحديث محيلا على"التمهيد"له لمن أراد التوسع والاستزادة. ثم قال بعد ذلك: (وهذا إسناد وإن لم يخرجه أصحاب الصحاح فإن فقهاء الأمصار وجماعة من أهل الحديث متفقون على أن ماء البحر طهور بل هو أصل عندهم في طهارة المياه الغالبة على النجاسات المستهلكة لها وهذا يدلك على أنه حديث صحيح المعنى يتلقى بالقبول والعمل الذي هو أقوى من الإسناد المنفرد) ثم بين اختلاف رواة الموطأ في بعض الألفاظ ووجه ذلك.

2 -ذكر آراء الصحابة بما فيها الشاذ الذي كره الوضوء بماء البحر كابن عمر معتبرا أن (ليس في أحد حجة مع خلاف السنة) وبين أن في المسألة وما يشبهها من الماء الكثير المستبحر إجماع من تدور عليهم وعلى أتباعهم الفتوى.

3 -قال بعد ذلك: (وهذا موضع القول في الماء واختلاف ما فيه للعلماء) :

-فالكوفيون تفسد النجاسة عندهم قليل الماء وكثيره إذا حلت فيه إلا الماء المستبحر الذي لا يقدر آدمي على تحريك جميعه وذكر دليلهم.

-رواية المصريين من أصحاب مالك: رووا الرأيين معا عن مالك، والأول مثل رأي الكوفيين والثاني أن الماء القليل يفسده قليل النجاسة وإن الماء الكثير لا يفسده إلا ما غلب عليه من النجاسة أو غيرها فغيره عن حاله في لونه وطعمه وريحه وهو ما استقروا عليه غير أنهم لم يحدوا في ذلك حدا لا لأقله ولا لأكثره.

-الشافعي نحا منحى هذا القول الأخير غير أنه حد في ذلك حدا لحديث القلتين، فحكم بفساد أقل من القلتين تحل فيه النجاسة وبعدم فساد أكثر منها ما لم

(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت