تتغير حاله. ثم بين ابن عبد البر حجته في ذلك، مشيرا على الجملة إلى الردود المتبادلة بين متأخري المذهبين الشافعي والمالكي في انتصار كل فريق لمذهبه.
-مذهب أهل المدينة من أصحاب مالك وهو الذي تبناه إسماعيل القاضي وغيره من البغداديين من متأخريهم وهو أن الماء لا تفسده النجاسة التي تحل فيه قليلا كان أو كثيرا في بئر أو مستنقع أو إناء إلا أن تظهر فيه وتغيره. ثم بين من ذهب مذهبهم من السلف والخلف.
4 -الانتصار للمذهب الذي يراه راجحا وهو المذهب الأخير حيث قال: (وهو الصحيح عندنا في النظر وثابت الأثر وقد ذكرنا الآثار بذلك في التمهيد) [1]
-"منتقى"الباجي:
أوضح الباجي في مقدمة كتابه بعض معالم المنهج الذي اعتمده في الكتاب، وذكر أن"المنتقى"مخصص لمن تعذر عليه جمع كتابه"الاستيفاء"وبعد عليه درسه وتحير فيه لكثرة مسائله ومعانيه وصعب عليه فهمه وحفظه، ورغب أن يقتصر فيه على الكلام في معاني ما يتضمنه"الاستيفاء"من الأحاديث والفقه وأصل ذلك من المسائل بما يتعلق بها في أصل كتاب الموطأ ليكون شرحا له وتنبيها على ما يستخرج من المسائل منه.
ويشير إلى الاستدلال على تلك المسائل والمعاني ليصلح للمبتدئ سواء اكتفى به أو جعله مقدمة تؤهله للتعامل مع"الاستيفاء"فانتقى من الكتاب ما يفي بالمقصود، وأعرض عن ذكر الأسانيد واستيعاب المسائل والدلالة وما احتج به المخالف وسلك فيه السبيل الذي سلكه في كتاب"الاستيفاء"من إيراد الحديث والمسألة من الأصل وإتباع ذلك ما يليق به من الفرع وأثبته شيوخ المالكية المتقدمين من المسائل وعد من الوجوه والدلائل.
وبين أن ما أورده من الشرح والتأويل والقياس والتنظير ليس طريقه القطع، وإنما هو مبلغ اجتهاده وما أداه إليه نظره، وما تبيينه لمنهج النظر والاستدلال والإرشاد إلا من الأجل الاعتبار به للنسج على منواله لمن كان من أهل هذا الشأن ومن (لم يكن نال هذه الدرجة فليجعل ما ضمنته كتابي هذا سلما إليها وعونا عليها) [2]
وبخصوص وجه المقارنة فقد أورد الباجي المسألة في باب حكم الماء [3] من كتاب العمل في الوضوء فانطلق بدوره:
1 -من حديث الموطأ في الباب وهو نفسه الذي انطلق منه ابن عبد البر فبدأ بشرح نص الحديث من أول ألفاظه (إنا نركب البحر .. ) وما في ذلك من احتمال عدم إمكان حمل أكثر من ذلك الماء لموضع الضرورة أو باعتبار ذلك مرخصا فيه. ثم عقد فصلا لقوله (هو الطهور) فشرحه. وذكر الإجماع على طهارة ماء البحر بقوله: (لا خلاف في جواز التطهير بماء البحر إلا ما يروى عن عبد الله بن عمر) مذكرا أن حديث الباب نص في الحكم.
(1) المسألة ملخصة من الاستذكار ج: 1 ص: 157 - 161
(2) المنتقى شرح الموطأ ج: 1 ص: 2 - 3
(3) المنتقى شرح الموطأ ج: 1 ص: 55 - 61