والحديث والقول بالبراءة الأصلية واستصحاب الحال، لا يخجل مما يراه حقا ولو خالفته الدنيا واستغربه الناس، ويبقى مع هذا كله محامي مذهب ولو شنع على أهل المذاهب وأتباع الأئمة، ورافع راية من ضمن الرايات المرفوعة لهذه الشريعة الخالدة.
ويتبعه في التوسع"مجموع"النووي بثلاث وعشرين صفحة لأنه قصد بسط مذهب الشافعي وشرحه فجعل عمدته رجال المذهب وأظهر في كتابه ما يتقنه في صناعة الأثر وعلوم الحديث، ويعرض المذاهب بالتبع إما على سبيل المساندة أو المعارضة ويبالغ في احترام مالك وقد يحتد قليلا مع الأحناف ويستخف أحيانا بأهل الظاهر ويبقى الأدب والاحترام هو الغالب، ويليه"المغني"في حجم ما أعطاه للمسالة بثماني صفحات، فاعتنى فيه أيضا بالأثر وكان هادئا في عرض المذاهب غير أن الأولوية في البسط والتقديم تبقى للمذهب الحنبلي، ثم بعده الطحاوي بسبع صفحات والذي بدا وكأنه مشغول بقضيتين:
إحداهما تأصيل المذهب وإغناء آرائه بالمناسب من الآثار ودفع التهم في هذا المجال والثاني استمرار في الفروع بما قام به في مجمل الحديث بالبحث عن سبل الجمع بين الأحاديث التي يظهر من ظاهرها التعارض بعثا للطمانينة في نفوس المؤمنين وردا لكيد المشككين الضالين.
ويأتي بعدهم في سعة التناول: الباجي بست صفحات ثم ابن عبد البر بأربع صفحات وابن رشد بثلاث. فأما الباجي فظهر في المسألة وكأنه القيم على المذهب يهتم بتقنينه وضبط فروعه ولا يعرض للخلاف خارج المذهب إلا يسيرا، وبالغ في التفريع داخل المذهب، وجمعه مع ابن عبد البر أن كليهما بصدد شرح الموطأ فيوردان من المسائل ما يتحمله الحديث أو قريب من ذلك ولهذا قد تكون لهما تفاصيل مما أورده أصحاب الكتب موضع المقارنة في مواضع أخرى من كتابيهما، وتميز عنه ابن عبد البر في مادة الحديث وبسط المذاهب في أدب جم ويعتبر أصل مادة"بداية"ابن رشد. وأما عن هذا الأخير فرغم أنه أقل حجما في الحيز الذي خصصه للمسألة فإنه امتاز بجملة أمور، من أهمها:
اختلاف أرضية الانطلاق والمقصد الذي يؤطر المسألة بل الكتاب كله، فالمسألة لم ينطلق فيها من نص مذهبي سواء في المسائل أو الحديث يشرحه كشأن جميع هذه الكتب الأخرى إلا ما كان من الطحاوي غير أن ما ندب نفسه إليه من المنافحة عن مذهب أبي حنيفة يلحقه في بعض الوجوه بهم. فابن رشد كان أكثر تحررا من غيره، والأقدر على التسوية بين المذاهب وتوفير ظروف تكافؤ الفرص بينها في عرض أدلتها وبسط براهينها، والأقدر أيضا على الترجيح بينها من غير ضغط نفسية الانتساب لأحدها، أو قيد شرح أحد متونها. ولهذا نجده في هذه المسألة وحده الذي ناصر مذهبا غير مذهبه الرسمي. ولهذا أمكننا القول: إذا كان أصحاب الكتب موضع المقارنة أئمة في مذاهبهم فابن رشد إمام في الفقه المقارن.
كما أنه من الناحية المنهجية كان تلخيصه كافيا لمقصوده، جمع فيه ما تشتت في غيره وصار على طريقة واضحة بدأ فيها بالأصول أي: الآيتين والحديث ومواطن