فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 979

عندهم تنجس. ثم رد عليهم جميعا في التشنيع على المذهب في تعليق الحكم على البائل في الماء دون غيره، وأورد عليهم أمثلة عديدة مما هي في مختلف المذاهب مما يشبه ذلك أو يقاربه كالتفريق في مس الذكر بين باطن الكف وظاهره، والتفريق بين الشريفة والدنية في النكاح، وبين لسان الكلب وذنبه، وبين بول الشاة إذا شربت طاهرا أو نجسا، وبين البول في مخرجه من الإحليل والبول إذا بلغ أعلى الحشفة، والتفريق بين بول ما يؤكل لحمه ورجيعه، إلى غير ذلك كثير حتى قال: (ولو تتبعنا سقطاتهم لقام منها ديوان) .

ثم ذكر أن لا سلف لهم فيما قالوا ذاكرا بعض سلفه فيما ذهب إليه، ورد على من أثار في وجه الظاهرية إشكالا في الخمر أو الدم أو البول يقع في الماء ولم يظهر لشيء من ذلك في الماء طعم ولا لون ولا ريح , هل صار الخمر والبول والدم ماء؟ أم بقي كل ذلك بحسبه؟ فإن كان صار كل ذلك ماء فكيف هذا؟ وإن كان بقي كل ذلك بحسبه فقد أباحوا الخمر والبول والدم , وهذا عظيم وخلاف للإسلام؟ فأجاب بجواب فلسفي بأن العالم كله جوهرة واحدة تختلف أبعاضها بأعراضها وبصفاتها فقط. وبحسب اختلاف صفات كل جزء من العالم تختلف أسماء تلك الأجزاء التي عليها تقع أحكام الله عز وجل في الديانة. ( ... )

فالعنب عنب وليس زبيبا ( ... ) وعصير العنب ليس عنبا ولا خمرا ( ... ) ففي الماء مثلا ما دام يسمى ماء وما دامت تلك الصفات في تلك العين فهي ماء وله حكم الماء. فإذا زالت تلك الصفات عن تلك العين لم تكن ماء ولم يكن لها حكم الماء، إلى غير ذلك مما أطال فيه البيان إلى أن شرد في النحاس إذا اختلط بفضة وعن القدر التي طبخت بخمر أو شيء من النجاسة والحرام. ورد على من يقول بغلبة الظن في الحكم على الماء بالنجاسة من المتأخرين الذين أرادوا الانفكاك من تخبط السابقين حسب تعبيره وحكم بشدة فساد مذهبهم من الذي رغبوا عنه.

7 -وأما عن الضابط الذي وضعه والرأي الذي انتصر له فهو: أن الماء لا ينجس أصلا , ولكنه طاهر بحسبه , لو أمكن تخليصه من جملة المحرم علينا لاستعملناه , ولكنا لما لم نقدر على الوصول إلى استعماله كما أمرنا سقط عنا حكمه، وهكذا كل شيء حاشا ما جاء النص بتحريمه بعينه فتجب الطاعة له , كالمائع يلغ فيه الكلب في الإناء , وكالماء الراكد للبائل , وكالسمن الذائب يقع فيه الفأر الميت , وإن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس ولم يقبل الخبث والقلتان ما وقع عليه في اللغة اسم قلتين , صغرتا أو كبرتا , ولا خلاف في أن القلة التي تسع عشرة أرطال ماء تسمى عند العرب قلة. وليس في هذا الخبر ذكر لقلال هجر أصلا، ولا مزيد.

والأحاديث الواردة لا تدل عنده على قبول الماء النجاسة إنما معناها ما اقتضاه لفظها، وليس بعد ذلك سوى إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعة الشارع لدخول الجنة والنجاة من النار. وفي آخر جولاته ذكر من قال بمذهبه في الماء لا ينجسه شيء ثمانية من الصحابة وإحدى عشر من غيرهم ثم قال: (فإن كان التقليد جائزا , فتقليد من ذكرنا من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أولى من تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي. )

وماذا يقول مبتدئ في ابن حزم؟ أهو السيل الجارف الذي يجرف كل ذي جذور ضعيفة ويهدد ذوي الجذور العميقة ما لم يقفوا على أرض صلبة؟ أم هو البحر في الأثر والنظر والجدال وإرهاق الخصوم مهما برعوا في سباحة الأفكار والمناظرة؟ أم هو سيف الحجاج بلسانه لا يكاد ينجو منه إلا من رحم الله وقوي في الشرع استدلاله وبرهانه؟ ولعل من يطلع على هذه المسألة الفقهية التي نحن بصددها وأمثالها في كتبه، يدرك أن السابقين لم يبالغوا كثيرا فيما قالوه عن ابن حزم، وخصوصا وأننا صادفنا في هذه المسألة أمرا لا يكاد يذكر المذهب الظاهري إلا وتشنع عليه وهي التي تخص البول في الماء الراكد، ولا يبعد أن يكون ابن حزم قد أخرج كثيرا من أسلحته فيها.

فلا غرابة أن يقول فيه بعض أهل البيان: لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان، ويقول ابن بشكوال: كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد يسلم أحد من لسانه، ويمدحه الذهبي بقوله: رأس في علوم الإسلام متبحر في النقل عديم النظير على يبس فيه وفرط ظاهرية في الفروع لا في الأصول وآخذه بأنه بسط لسانه ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب بل فجج العبارة وسب وجدع.

ولا عجب أن يجتهد معاصروه من العلماء والحكام في إبعاد الناس عن كتبه وإبعاده عن الناس حتى لا تكون به (فتنة) ويهدد المذهب وما جرى به العمل، وقد هال علماء المذهب ما رأوه منه حتى حكى أبو بكر بن العربي أن ابن حزم ملأ المغرب بالقول بالظاهر، وكان بمثابة الطوفان والزلزال الذي هز أصحاب المسائل والفروع فهبوا للذوذ عن حياضهم بمزيد من التأصيل والتحصين فكان أن حرك الماء الراكد في المذهب فنبغ أمثال ابن رشد الجد والمازري والطرطوشي وابن رشد الحفيد والشاطبي والقرافي وغيرهم، فبذلوا من الجهود ما بها أرجعوا التوازن وأضعفوا الافتتان واستقر المذهب.

ويبقى ابن حزم عملاقا يلقي بظلاله على من بعده، يصعب على كل منصف تجاهله، من تتبع سيله ينتهي على مريع وخصب فيه خير كثير لا يضره الزبد، ولا أحد في الدنيا يكمل إلا من عصمه الله من الأنبياء. وكما قال بعض العلماء في كتبه: (الدر الثمين ممزوجا في الرصف بالخرز المهين فتارة يطربون ومرة يعجبون ومن تفرده يهزؤون) [1] .

وقد جاء ابن رشد الحفيد بعد أن هدأت زوبعة ابن حزم، فاستطاع أن يتعامل معه بتعقل ينتفع بعلمه ويستفيد ويعترف بإمامته في مجال الأثر فيذكر تصحيحه وتضعيفه لبعض الأخبار ويقر بقوته في بعض مواطن النظر ويضعفه في أخرى.

وأما عن المسألة التي هي موضع المقارنة فابن حزم أوسعهم كلاما، فعلى مدار ثمان وعشرين صفحة بقي يصول ويجول ويبدئ ويعيد وأحيانا يزبد ويرعد في جرأة يقتحم بها على وقار الأئمة. وتلمس في المسألة أيضا وفاءه للمنهج الذي اختاره في القول بنفي القياس كله خفيه وجليه والأخذ بظاهر النص وعموم الكتاب

(1) هذه الأقوال في هذا التعليق من سير أعلام النبلاء للذهبي في ترجمته لابن حزم ج: 18 ص: 185 وما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت