وقال أبو ثور صاحبه: جميع المائعات بمنزلة الماء , واحتج أصحاب الشافعي لقولهم بحديث ولوغ الكلب في الإناء وحديث غسل اليدين قبل غمسهما في الإناء للمستيقظ من النوم وحديث النهي عن البول في الماء الراكد وحديث القلتين وكلها قد دلت عندهم أن الماء يقبل النجاسة ما لم يبلغ حدا ما.
ثم اختلفوا في تحديد القلتين. قال ابن حزم: (وأظرف شيء تفريقهم بين الماء الجاري وغير الجاري فإن احتجوا في ذلك بأن الماء الجاري إذا خالطته النجاسة مضى وخلفه طاهر: فقد علموا يقينا أن الذي خالطته النجاسة إذا انحدر فإنما ينحدر كما هو , وهم يبيحون لمن تناوله في انحداره فتطهر به أن يتوضأ منه ويغتسل ويشرب , والنجاسة قد خالطته بلا شك , فوقعوا في نفس ما شنعوا وأنكروا) -ويقصد مذهب الظاهرية في التميز بين من بال في الماء الراكد وغيره حيث يحرم في حق الأول ولا يحرم على الثاني -واحتجوا بحديث الفأرة في السمن فيما ادعوه من قبول ما عدا الماء للنجاسة.
-وقال أحمد بن حنبل بقول الشافعي في تحديد القدر الذي لا تلحقه النجاسة , ولم يحد في القلتين حدا أكثر من أنه قال مرة: القلتان أربع قرب , ومرة قال: خمس قرب , ولم يحدها بأرطال ..
-ثم تتبع الأحاديث التي استند إليها الجمهور، وبين أنها حجة عليهم لا لهم رغم أن الأحاديث صحاح ثابتة لا مغمز فيها، وأكد أن الظاهرية تأخذ بها جميعا في الوقت الذي يخالف غيرهم ما فيها من أخبار، فالأحناف خالفوا حديث ولوغ الكلب في الإناء وقالوا بغسله مرة واحدة والحديث فيه سبع، والمالكية قالوا لا يهرق إلا أن يكون ماء والحديث عام في الماء وغيره، والشافعية خالفوه بالقول إذا كان ما في الإناء خمسمائة رطل لم يهرق ولم يغسل الإناء، وإن كان فيه غير الماء أهرق بالغا ما بلغ. ثم ذكر أن هذا ليس في الحديث أصلا لا بنص ولا بدليل، وقالوا: إن ولغ في الإناء خنزير كان في حكمه حكم ما ولغ فيه الكلب: يغسل سبعا إحداهن بالتراب. ولم يقولوا في السبع مثل ذلك. فقاسوا الخنزير على الكلب.
ولم يقيسوا السباع على الكلب - وهو بعضها - وإنما حرم الكلب بعموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع. ثم قال ابن حزم: (فقد ظهر خلاف أقوالهم لهذا الخبر وموافقتنا نحن لما فيه , فهو حجة لنا عليهم , والحمد لله رب العالمين كثيرا , وظهر فساد قياسهم وبطلانه , وأنه دعاوى لا دليل على شيء منها. ) وقالوا جميعا بأن غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء مندوب والحديث يفيد الوجوب، وقالوا بزوال النجاسة بغسلة واحدة مخالفين الثلاث الواردة في حديث الاستيقاظ، وخالفوا حديث البول في الماء فقال الأحناف يجوز له الوضوء إذا كان مما إذا حركه آدمي من أحد طرفيه لم تسر الحركة إلى الطرف الثاني منه وخالفه الشافعي بحد خمسمائة رطل وخالفه مالك كله بالقول إذا لم يتغير الماء ببوله فله أن يتوضأ منه ويغتسل.
وقال في بعض أقواله إذا كان كثيرا، وخالفوا جميعا حديث الفارة فأبوحنيفة ومالك والشافعي أباحوا الاستصباح به , وفي الحديث {لا تقربوه} وأباح أبو حنيفة بيعه. وخالف الحنفية حديث القلتين فالبئر عندهم وإن كان فيها قامتان أو ثلاث فإنها