يتناهى) [1] كما أنه يأتي أحيانا كثيرة بمناقشات رائعة تمتاز بالإنصاف وحسن العرض للآراء مهما كان موقفه منها , مجليا نكت الخلاف.
ونأخذ على سبيل المثال نموذجين: الأول يتعلق باختلاف الفقهاء في القليل من الأنبذة الذي لا يسكر. فبعد أن عرض أدلة الحجازيين والعراقيين. وما يقال من قوة حجة الحجازيين من طريق السمع وظهور حجة العراقيين من طريق القياس , بين بداية جوهر الخلاف بين الفريقين، والذي يرجع إلى اختلافهم في تغليب الأثر على القياس أو تغليب القياس على الأثر إذا تعارضا. ثم تدخل ليثبت ما يراه حقا حيث يقول (لكن الحق أن الأثر إذا كان نصا ثابتا فالواجب أن يغلب على القياس وأما إذا كان ظاهر اللفظ محتملا للتأويل فهنا يتردد النظر هل يجمع بينهما بأن يتأول اللفظ أو يغلب ظاهر اللفظ على مقتضى القياس؟ وذلك مختلف بحسب قوة لفظ من الألفاظ الظاهرة وقوة قياس من القياسات التي تقابلها، ولا يدرك الفرق بينهما إلا بالذوق العقلي كما يدرك الموزون من الكلام من غير الموزون) [2] .
وبما أن الأمر ينتهي هنا إلى الذوق العقلي فقد يتساوى الذوقان فيكثر الاختلاف في هذا النوع حتى يقال: كل مجتهد مصيب. وبعد أن مهد بكل هذه الحيثيات لم ير حرجا في إبداء ما يراه صوابا حيث وقف إلى جانب الجمهور وبين أن تعليق التحريم بالجنس أغلب على الظن من تعليقه بالقدر في قوله صلى الله عليه وسلم {كل مسكر حرام} سدا للذريعة، ووجب إلحاق ما وجدت فيه علة الخمر بالخمر.
وعلى من يزعم وجود الفرق إقامة الدليل. أما إذا تم التسليم بصحة قوله صلى الله عليه وسلم: {ما أسكر كثيره فقليله حرام}
فلزمتهم الحجة لأنه (نص في موضع الخلاف ولا يصح أن تعارض النصوص بالمقاييس) [3] . وخصوصا وأن القياس هنا يقصد به الجمع بين انتفاء مضرة الخمر ووجود المنفعة لقوله تعالى: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} في الوقت الذي نجد الشرع يغلب حكم المضرة على المنفعة، فحرم القليل منها والكثير فوجب (أن يكون الأمر كذلك في كل ما يوجد فيه علة تحريم الخمر إلا أن يثبت في ذلك فارق شرعي) [4] .
أما النموذج الثاني فيتعلق باشتراط الولاية في صحة النكاح فبعد أن بين اختلاف العلماء في هذه المسألة بين جاعلها من شروط صحة النكاح وبين من يرى جواز عقد المرأة نكاحها بغير ولي إذا كان كفؤا , ومن فرق بين البكر والثيب فاشترط الولي في البكر ولم يشترطه في الثيب، وبين من يرى الولي من شروط التمام لا من شروط الصحة. حدد سبب الاختلاف حيث لم تأت آية ولا سنة هي ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح.
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 1
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 347
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 347
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 347