فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 979

أصل"الاجتهاد"في اللغة من مادة (ج هـ د) ومنه الجهد بفتح الجيم وضمها: الطاقة، والجهد بالفتح: المشقة، يقال جَهَدَ دابته وأجْهَدَهَا: إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها، وجَهَدَ الرجل في كذا أي جدَّ فيه وبالغ، وجاهَدَ في سبيل الله مُجَاهَدَةً وجِهَاداً والاجْتِهادُ والتَّجَاهُدُ: بذل الوسع والمَجْهودِ [1] والجِهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أَو اللسان أَو ما أَطاق من شيء. [2]

وجاء في لسان العرب: جَهَدَ يَجْهَدُ جَهْداً واجْتَهَدَ، كلاهما: جدّ، وقال: الأَزهري: الجَهْد بلوغك غاية الأَمر الذي لا تأْلو على الجهد فيه؛ تقول: جَهَدْت جَهْدي واجْتَهَدتُ رأْيي ونفسي حتى بلغت مَجهودي والجَهاد، بالفتح، الأَرض الصلبة، وأَجْهَدَتْ لك الأَرض: برزت. وفلان مُجهِد لك: محتاط. وقد أَجْهَد إِذا احتاط؛ ويقال: أَجْهَدَ لك الطريقُ وأَجهَدَ لك الحق أَي برز وظهر ووضح. وجَهَدَت اللبن فهو مجهود أَي أَخرجت زبده كله [3] .

فالاجْتِهادُ: افْتِعَال من الجُهْد وهو: بَذْل الوسْع في طَلَب الأمر, [4] يقول ابن حزم: (وحقيقة معناها أنه استنفاد الجهد في طلب الشيء المرغوب إدراكه حيث يرجى وجوده فيه أو حيث يوقن بوجوده فيه هذا مالا خلاف بين أهل اللغة فيه) [5]

فالأصول اللغوية لكلمة اجتهاد تحيل على معان عديدة، لبها: بذل الجهد والطاقة والوسع، والمبالغة في الجد لبلوغ غاية الأمر، وفيه معاني: البروز والظهور والوضوح والإخراج والاحتياط، وورد في الجهاد بفتح الجيم معنى الأرض الصلبة. وكأني بالمجتهد وعملية الاجتهاد برمتها، في حاجة على هذه المعاني جميعا: فالاجتهاد بحاجة إلى الدليل القوي حتى يستند إلى أرض صلبة، ولا بد فيه من الاحتياط من مجانبة الصواب قدر الإمكان.

والمجتهد يستخرج الحكم من الدليل، ولا يعمل في سرية أو خفاء إنما أمره واضح وبارز وظاهر للعيان يعلم بقوله العلماء بل وأحيانا عموم الناس، وهو في كل هذا بحاجة لبذل الوسع والطاقة والجهد حتى يفوز بالأجرين. ولأمر ما اجتمع الاجتهاد والجهاد في أصول مشتركة، غير أن الأول أظهر في الفكر والثاني أظهر في العمل. وهما سبيلان للفوز والنجاح.

الإجتهاد في الاصطلاح:

وأما من جهة الاصطلاح فلم يرد في"البداية"تعريف مباشر للاجتهاد لا في متن الكتاب ولا في مقدمته الأصولية التي وضعها قبل الشروع في كتب الفقه وأبوابه. وجاء في الجزء الرابع من كتابه في الأصول عن الاجتهاد بأنه: (بذل المجتهد وسعه في الطلب بالآلات التي تشترط فيه) [6] فالاجتهاد عنده استنباط واستخراج للمفقود واتخاذ موقف إيجابي اتجاه ما يطرأ من مسائل جديدة، وليس ترديدا للموجود، وبه يستحق العالم لقب الفقيه. يقول ابن رشد في"البداية": (رأينا أن نذكر في هذا الكتاب(كتاب الصرف) سبع مسائل مشهورة تجري مجرى الأصول لما يطرأ على المجتهد من مسائل هذا الباب فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد ( ... ) وبهذه الرتبة يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه) [7] وهو أيضا: موازنة بين الظواهر، وتركيب وترجيح، ومقايسة، ومراعاة الأصول والمتغير من الأحكام، واعتماد الظن المعتبر في الشرع والراجح إذا تعذر القطع واليقين.

فهو يقول في مسألة الخلاف الواقع في وطء الحائض في طهرها وقبل الاغتسال: (وكذلك فرض المجتهد هاهنا إذا انتهى بنظره إلى مثل هذا الموضع أن يوازن بين الظاهرين فما ترجح عنده منهما على صاحبه عمل عليه) [8] .

وقوله في الخلاف الواقع في القليل من النبيذ الذي لا يسكر (فيرجع الخلاف إلى اختلافهم في تغليب الأثر على القياس أو تغليب القياس على الأثر إذا تعارضا وهي مسألة مختلف فيها لكن الحق أن الأثر إذا كان نصا ثابتا فالواجب أن يغلب على القياس وأما إذا كان ظاهر اللفظ محتملا للتأويل فهنا يتردد النظر هل يجمع بينهما بأن يتأول اللفظ أو يغلب ظاهر اللفظ على مقتضى القياس وذلك مختلف بحسب قوة لفظ من الألفاظ الظاهرة وقوة قياس من القياسات التي تقابلها ولا يدرك الفرق بينهما إلا بالذوق العقلي كما يدرك الموزون من الكلام من غير الموزون) [9]

وما ذكره أيضا في مسألة الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب وهل يجوز فيها التشميت ورد السلام؟ وبعد استعراض أدلة المختلفين، قال عن الأوامر إذا اختلفت:

(حدثت من ذلك تراكيب مختلفة ووجبت المقايسة أيضا بين قوة الألفاظ وقوة الأوامر) [10]

وفي موضع آخر عند حديثه عن اختلاف الفقهاء في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر، بين حقيقة الاجتهاد عند سكوت الشرع واضطراب النقل، بمراعاة الأصل والمتغير في الأحكام، وكذا وجوب التمسك بالأصل عند حدوث الاحتمال، مثل اعتبار الأصل في الصلاة الإتمام وعدم مغادرة هذا الأصل إلا بدليل، يقول: (والأشبه في المجتهد في هذا أن يسلك أحد أمرين إما أن يجعل الحكم لأكثر الزمان الذي روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيه مقصرا ويجعل ذلك حدا من جهة أن الأصل هو الإتمام فوجب ألا يزاد على هذا الزمان إلا بدليل أو يقول إن الأصل في هذا هو أقل الزمان الذي وقع عليه الإجماع) [11]

وأما عن الظن الذي يتحدث عنه في الاجتهاد، فكونه حدد الطلب من المجتهد وبالآلات التي تشترط فيه، دل ذلك على نوع الظن الحاصل، وبأنه ليس أي ظن.

(1) مختار الصحاح ج: 1 ص: 48

(2) لسان العرب ج: 3 ص: 135

(3) لسان العرب: ج: 3 ص: 133 - 134 - 135

(4) النهاية في غريب الحديث ج: 1 ص: 320

(5) الإحكام لابن حزم ج: 8 ص: 587

(6) الضروري في أصول الفقه: ص: 137

(7) بداية المجتهد ج: 2 ص: 147

(8) بداية المجتهد ج: 1 ص: 42

(9) بداية المجتهد ج: 1 ص: 347

(10) بداية المجتهد ج: 1 ص: 118

(11) بداية المجتهد ج: 1 ص: 123

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت