فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 979

وفي قوله تعالى: {قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا} : (استثنى من الليل كله"قليلا"وهذا استثناء على وجه كلامه فيه , وهو إحالة التكليف على مجهول يدرك علمه بالاجتهاد ; إذ لو قال: إلا ثلثه , أو ربعه , أو سدسه , لكان بيانا نصا , فلما قال: {إلا قليلا} وكان مجملا لا يدرك إلا بالاجتهاد دل ذلك على أن القياس أصل من أصول الشريعة , وركن من أركان أدلة التكليف) [1]

وأرى من جهتي أن كل آية تأمر بالعلم والتعلم وترفع شأنه، وتأمر بالفكر والتفكر، والتدبر والتفقه، وما في هذا المعنى يصلح كله في الاستدلال على مشروعية الاجتهاد وجوازه، بل وأحيانا على وجوبه إن لم يكن على الأعيان فهو على الكفاية، يقول تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122)

قال الإمام النسفي في تفسيرها (فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد ويبقى سائرهم يتفقهون حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذى هو الجهاد الأكبر إذ الجهاد بالحجاج أعظم أثرا من الجهاد بالنضال) [2] ولا شك أن التفرغ لتحصيل ملكة الاجتهاد داخل في ذلك، إذ المجتهدون مرجع لا يستغني عنه المتفقهون. وليس أشرف في التعلم والتفكر والتدبر والتفقه من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والنظر في أحوال الناس حتى لا يند شيء عن حكم الشرع.

-وبخصوص الأحاديث التي يستشهد بها العلماء على مشروعية الاجتهاد ما رواه الإمام الشافعي قال: (أخبرنا عبد العزيز عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله يقول إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) [3] واستنتج الشافعي من منح الأجر للمخطئ [4] تكليف المجتهد بالاجتهاد وليس مجرد الإباحة والجواز، يقول: (وفي هذا دليل على ما قلنا أنه إنما كلف في الحكم الاجتهاد على الظاهر دون المغيب والله أعلم) [5] وقال النووي في هذا الحديث: (وهذا دليل على أنه وكل بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء جعل لهم الأجر على الإجتهاد) [6]

(1) ابن العربي"أحكام القرآن"ج: 4 ص: 282

(2) أبو البركات عبد الله ابن أحمد بن محمود النسفي"تفسير النسفي"ج: 2 ص: 115

(3) وجاء في"الرسالة"ص: 495: (فقال هذه رواية منفردة يردها علي وعليك غيري وغيرك ولغيري عليك فيها موضع مطالبة قلت نحن وأنت ممن يثبتها قال نعم)

(4) قال الخطابي: (إنما يؤجر المخطىء على اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط وهذا فيمن كان جامعا لآلة الاجتهاد عارفا بالأصول عالما بوجوه القياس فأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه الوزر ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار وهذا إنما هو في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول التي هي أركان الشريعة وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه ولا مدخل فيها للتأويل فإن من أخطأ فيها معذور في الخطأ وكان حكمه في ذلك مردودا) عون المعبود شرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب ج: 9 ص: 354 - دار الكتب العلمية- بيروت- 1415 - الثانية

(5) الرسالة ج: 1 ص: 495 - 496 - 497

(6) شرح النووي على صحيح مسلم ج: 11 ص: 91

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت