وساهم الجانب السياسي إلى جانب خفوت الزخم الحضاري الحي، في تكريس ضعف الاجتهاد، وخصوصا في القضايا العامة والسياسة الشرعية والواجبات الكفائية في الحكم والاقتصاد والعلاقات الخارجية وغيرها، بسبب من انفصال السياسة عن توجيه العلماء، وانتشار استبداد، وقمع الآراء التي فيها مساس بشؤون الحكم. مما أدى إلى ضعف صلة العلماء بالواقع وما نشأ عن ذلك من زهد فيه من حيث الانخراط ومن حيث دراسته وتحليله.
فتضخم الفقه الذي يهم الأفراد إلى حد من التخمة، قبل أن يعرف بدوره التوقف إلا ما كان من استمرار الفتوى التي يغلب عليها تنزيل الأحكام على أعيان الأفراد. يضاف إلى ذلك الجو الثقافي العام الذي انتقل من التنوع والاختلاف، إلى الحرص على التوحد والضبط والدمج وجمع الناس على رأي واحد، ولو في مجال لا يضر فيه التنوع والتعدد، مما أدى إلى نوع من السكون فالنزعة التجديدية الاجتهادية غالبا ما تظهر في البيئة التي تعرف تنوعا ثقافيا، كما أن المقلدة بالغوا في تعقيد شروط الاجتهاد ومواصفات المجتهد وتبرير الإحجام ونزعة التقليد.
فقد عمل كثير منهم على: (ابتكار شروط وقيود للاجتهاد مستحيلة الوجود والتحقق، والحجر على فضل الله وقدرته في أن يمنح الأمة في كل زمان ومكان القادرين على النظر لمشكلاتها في ضوء الكتاب والسنة ... ) [1] بل إن بعضهم يرى أن وجود الاجتهاد بسبب الاختلاف وكأنه يشعر بأن السلامة من ذلك في التقليد، يقول الشيخ حبيب الكيرانوي: (إنما نشأ الاختلاف من كثرة الاجتهادات واختلاف الآراء فمهما كثر الاجتهاد كثر الاختلاف) [2] فهو يرى أن فتح باب الاجتهاد موجب لكثرة الاختلاف دون قلته والموجب لقلته هو التقليد فقط) [3] .
كما أنه لا يرى للمقلد فكاكا مما هو فيه، وإن ظهر قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على خلاف ما ذهب إليه إمامه يقول:(إنما نقلد من نقلد لأننا نعلم أنه يعلمنا أحكام الله ورسوله ويهدينا سبيل الرشاد لا لأنه متبوع بنفسه. فإن قلت: إن كان الأمر كما قلتم فكيف لا تتركون قوله بعد ظهور قول الله والرسول على خلافه؟ قلنا: ظهور قول الله ورسوله. على خلاف قول الإمام موقوف على أمرين: أحدهما أن يعلم أن ذلك قول الله والرسول.
والثاني: أن يعلم أنه مخالف لقول الإمام. ولا علم عند المقلد بأحد من هذين الأمرين) [4] وليته قيل هذا الكلام في العوام الأميين، ولكنه ينسحب على جميع المقلدة لأئمة المذاهب وفيهم علماء كبار. ولا أدري كيف يكون حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ظاهر المخالفة لقول الإمام، ومع ذلك يصر على التقليد، ولا يخطر بباله أن يكون الإمام غفل عن النص لبعض الأسباب، إلا أن يفترض فيه الكمال والعصمة ويصبح المذهب هو الحاكم على الوحي كما نقل عن الإمام
(1) عمر عبيد حسنة. مقدمة كتاب الأمة ع. 48"التوحيد والوساطة في التربية الدعوية"ص13.
(2) قواعد في علوم الفقه: ص51_52.
(3) قواعد في علوم الفقه: ص51_52.
(4) قواعد في علوم الفقه: ص42.