الكرخي (ت340) قوله: (كل حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ) [1] .
وتبلغ أدبياتهم حد تيئيس الناس من ولوج باب الاجتهاد أو مجرد التفكير في طرقه فصاحب"قواعد في علوم الفقه"يقول: (الفهم قد يكون في الرجل كاملا، يقدر به على الاجتهاد، ولكن لا يتيسر له الاجتهاد، لعدم وجود الآلات عنده كما ينبغي فهو مجتهد بالقوة لا بالفعل، وقد يتيسر له الاجتهاد لوجود الآلات فهو مجتهد بالفعل. وقد يكون هذا الفهم ناقصا لا يقدر به على الاجتهاد، فقد يتيسر له آلات الاجتهاد فيغتر بنفسه حتى يظنه مجتهدا أويغتر فيه الناس فيظنونه مجتهدا مع أنه ليس كذلك ... وقد لا يتيسر له الآلات أيضا ومع ذلك يظن نفسه مجتهدا ... وهؤلاء يجب عليهم تقليد المجتهد، فإن اجتهدوا ضلوا وأضلوا. هؤلاء هم أهل الرأي الذين ذمهم الصحابة والتابعون) [2] فأي نفس يشيعه مثل هذا النص؟ وأي ظلال يلقي بها بين يدي من يفكر في اقتحام عقبة الاجتهاد؟
فرغم المبالغة في ضبط آليات الاجتهاد، وتقديمها في صورة مثالية، يطرح هذا الفقيه أمر الفهم وهو يند عن الانضباط وتحكمه النسبية. وإذا تجاوز ذلك وجد أمامه عنصر الشك في نفسه وشك الناس فيه، لأنهم حذرون معه من الاغترار، وإن تجرأ رغم ذلك فسيف الذم والتضليل له بالمرصاد حتى يفر إلى أمان الإتباع والتقليد. ويركن إلى الخمول والترديد.
وفي مثل هذا الجو يعيش طلاب العلم ويكون مبلغ مقصودهم الحفظ والاجترار والجمع والتلخيص والشرح دون التفكير في الإضافة والإبداع وركوب محاولة الخطأ والصواب.
يقول ابن قتيبة الدينوري: (وكان طالب العلم فيما مضى، يسمع ليعلم ويعلم ليعمل، ويتفقه في دين الله لينتفع وينفع، فقد صار طالب العلم الآن يسمع ليجمع ويجمع ليذكر ويحفظ ليغالب ويفخر، وكان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع، والمستعمل من الواضح وفيما ينوب الناس، فينفع الله به القائل والسامع، فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي وفيما لا ينفع( ... ) وصار الغرض فيه إخراج لطيفة وغوصا على غريبة وردا على متقدم) [3] .
3_ 4 _ ضرورة الاجتهاد والاستمرار في إعماله وتشجيع القادرين عليه: فبالاجتهاد تكون حياة التشريع لأنه يمنح لها الحيوية والمرونة والفعالية والحركة. ويكون خير برهان على الصلاحية الدائمة لشريعة الله عز وجل للإنسان والزمان والمكان، جاء في المعيار: (عن الشيخ أبي مدين: إن للقرآن نزولا وتنزيلا. أما
(1) محمد بن الحسن الحجوي. الفكر السامي. ج: 2 ص: 60.
(2) حبيب أحمد الكرانوي قواعد في علوم الفقه ص: 262.
(3) محمد بن مسلم بن قتيبة الدنيوري"الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة"تحقيق كاظم حطيط الشركة العالميةللكتاب: 1990 عن غلاف مجلة الاجتهاد عدد9. 1990.