النزول فقد تم بموته عليه السلام، وأما التنزيل على الوقائع واستنباط الأحكام فلم يزل إلى آخر الدهر) [1] .
فالوحي الإلهي يحمل من كنوز المعاني ما لا يستنفذه فهم جيل واحد من المسلمين (بل يمكن أن يكتشف فيه كل جيل ما لم يكتشفه الذي قبله وذلك وجه من وجوه إعجازه) [2] ومن فوائد الاجتهاد بسط رداء التدين على الحلول المشروعة الواقعية لتنقلب من عادة إلى عبادة، لأن دائرته تتجاوز النصوص الظنية في الثبوت والدلالة إلا ما لا نص فيه.
ومن المشجعات على اقتحامه _ بعد إتيان شروطه _ أنه لا يطلب فيه غير بذل الوسع والطاقة، للحصول على غلبة الظن إن تعذر القطع. وأسقط عن المجتهد الإثم بل وعد في الشرع بالأجر ولو مع الخطأ.
ولا شك أن القيام بأعباء الاجتهاد في زمن الركود يحتاج إلى (جرأة في الرأي، وقوة في الصبر على ضغوط المحافظين لا سيما أن التجديد لن يكون محدودا بل واسعا( ... ) والخطاب المناسب لمجتمع نائم خامد قرونا طويلة أن نبادره بالمنبهات ودواعي الحركة الحرة وأن نصيح فيه: أن تيقظ! جاهد! اجتهد ( ... ) فالمطلوب أن نتلقى اليوم من حصة الكلام كل منبهة منعشة منشطة وأن نشيع من الدين ما يناسب المقام وما يقتضي الحال كالتدبير والاجتهاد ( ... ) والتذكير بالرجاء والندب إلى الصالحات والمبادرات وسن السنن الحميدة) [3]
وعن الخوف من حرية الاجتهاد وما يمكن أن تجره من جرأة على الدين وخروج عن الضوابط، يقول حسن الترابي: (وإني لا أتخوف على المسلمين كثيرا من الانفلات بهذه الحرية والنهضة فالحس الإسلامي في تاريخه القديم استقام في وجه كل الابتلاءات والفتن الفكرية التي ابتلاه الله سبحانه وتعالى بها، فحاصرها وتجاوزها بل تجده من تلقاء النفس يراعي التحفظات اللازمة) [4]
وأما عن إنكار المحافظين فيعتبر ظاهرة طبيعية تتحرك في وجه كل اجتهاد جديد، وتنشط بقدر اتساع دائرة التجديد. بل في ذلك خير كثير للمجتمع الإسلامي. يقول صاحب تجديد أصول الفقه أيضا: (ومهما يكن فإنكار الجديد هو سنة اجتماعية معروفة وعن طريقه يعمل المجتمع عملية التوازن بين عناصر الثبات وعناصر الحركة لئلا يجمد المجتمع فيموت ولا يعربد فينحرف) [5] .
(1) الفكر السامي ج: 1 ص: 26.
(2) عبد المجيد النجار في فقه التدين فهما وتنزيلا ص81. كتاب الأمة، عدد22: 1989.
(3) تجديد أصول الفقه. د. حسن الترابي ص39_40.
(4) تجديد أصول الفقه. د. حسن الترابي ص40. ولعل ما جوبه به الدكتور الترابي نفسه من موجة انتقادات واسعة في الآونة الأخيرة سواء من مجمع الفقه الإسلامي أو علماء الأزهر أو غيرهم بخصوص شذوذه الذي تجاوز به إجماع الأمة وما تبناه جمهورها في قضايا زواج المسلمة بالكتابي وستر المرأة وإمامتها وغيرها، خير دليل على محاصرة كل شذوذ وصد كل ابتلاء فكري وانحراف منهجي. نسأل الله الثبات وحسن الخاتمة.
(5) تجديد أصول الفقه. د. حسن الترابي ص 38.