من المعلوم من الدين _بالضرورة_ ومن المسلمات التي لا يختلف حولها أهل الحق، أن جميع وجوه نشاط المسلم الفكرية والقلبية والسلوكية يجب أن تكون محكومة بأحكام الإسلام، وأن تغطي جميع أوضاعه الفردية والجماعية، وجميع علاقاته مع نفسه وربه ومع الكون والناس ومع دنياه وآخرته. ومعلوم أيضا أن الوحي جاء شاملا للحياة كلها {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} (النحل: 89) .
ففيه كل ما يحتاجه الإنسان قال تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} (الأنعام: 39) قال القرطبي: (أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو من الإجماع، أو من القياس( ... ) فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره، إما تفصيلا وإما تأصيلا) [1] وبواسطة الاجتهاد يتم بسط رداء التدين على مجالات الحياة وفق هذا التأصيل لتندرج الحوادث غير المتناهية تحت النصوص المتناهية.
1_مالا يجوز فيه الاجتهاد:
قال ابن رشد في مسألة المجتهد فيه"الضروري في أصول الفقه": (وأما المجتهد فيه فهو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي) [2] ثم تصدى للحديث عن مسألة يغلب فيها جانب النظر، جانب الحاجة العملية في الاجتهاد، وهي المتعلقة بالحكم المطلوب وهل هو متعين في نفسه وبالتالي يكلف المجتهد إصابته، أم أن مناط التكليف في طلبه غلبة الظن، فيكون كل مجتهد مصيبا وإن اختلفت آراء المجتهدين في الأمر الواحد. ورد في ذلك على الغزالي، وضمنا من وراءه مثل الشافعي ممن يرون كل مجتهد مصيب.
والذي يهم من الناحية العملية، وهو محل اتفاق بين الجميع: أن المجتهد مأجور على خطأه [3] إذا كان مستكملا لشروط الاجتهاد. كما أنه من الناحية الواقعية
(1) القرطبي"الجامع لأحكام القرآن": ج6/ 420.
(2) الضروري: ص138
(3) للإمام الشافعي تفصيل دقيق في معنى الخطأ، حيث قد يكون الاجتهاد عنده صوابا حسب الظاهر وإن كان في حقيقته خطأ في الغيب عن المجتهد، جاء في"الرسالة": (ولكن ما معنى صواب خطأ؟ قلت له: مثل معنى استقبال الكعبة يصيبها من رآها بإحاطة ويتحراها من غابت عنه بعد أو قرب منها فيصيبها بعض ويخطئها بعض. فنفس التوجه يحتمل صوابا وخطأ( ... ) فقال: هذا هكذا، أفرايت الاجتهاد أيقال له صواب هذا المعنى؟ قلت: نعم، على أنه إنما كلف فيما غاب عنه الاجتهاد فإذا فعل فقد أصاب بالإتيان بما كلف وهو صواب عنده على الظاهر، ولا يعلم الباطن إلا الله، ونحن نعلم أن المختلفين في القبلة وإن أصابا بالاجتهاد إذا اختلفا يريدان عينا، لم يكونا مصيبين للعين أبدا، ومصيبان في الاجتهاد.
وهكذا ما وصفنا في الشهود وغيرهم. قال: أفتوجدني مثل هذا؟ قلت ما أحسب هذا يوضح بأقوى من هذا. قال: فاذكر غيره. قلت: أحل الله لنا أن ننكح من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت أيماننا وحرم الأمهات والبنات والأخوات، قال: نعم، قلت: فلو أن رجلا اشترى جارية فاستبرأها أيحل له إصابتها؟ قال: نعم، قلت: فأصابها فولدت له دهرا ثم علم أنها أخته كيف القول فيه؟ قال: كان ذلك حلالا حتى علم بها فلم يحل له أن يعود إليها، قلت: فيقال لك في امرأة واحدة حلالا له حرام عليه بغير إحداث شيء أحدثه هو ولا أحدثته. قال أما في المغيب، فلم تزل أخته أولا وآخرا. وأما في الظاهر فكانت له حلالا ما لم يعلم وعليه حرام حين علم. وقال إن غيرنا ليقول لم يزل آثما بإصابتها ولكنه مأثم مرفوع عنه. فقلت: الله اعلم، وأيهما كان فقد فرقوا فيه بين حكم الظاهر والباطن وألغوا المأثم عن المجتهد على الظاهر، وإن أخطأ عندهم ولم يلغوه عن العامد) الرسالة ج: 1 ص: 498 - 499 - 500