فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 979

والتاريخية ثبت قبول الرسول - صلى الله عليه وسلم - للاجتهادات المختلفة في الشيء الواحد، وكذلك الصحابة وعموم الأمة سواء من الخلفاء الراشدين وغيرهم.

وابن رشد نفسه لما خرج من النظر في"الضروري"إلى الجانب العملي والتنزيلي في"البداية"تراجع عن تصلبه وتشدده إلى حد الاستعاذة والاتهام بارتكاب الكبيرة [1] ، إلى القبول بل وإلى تصويب هذا المذهب وترجيح القول بالتخيير في بعض المسائل [2] .

ونعود لابن رشد في تحديده للمجتهد فيه فقد ردد تماما عبارة أبي حامد الغزالي وخصوصا في شقها الأول، حيث يقول: (المجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي( ... ) وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطىء فيه آثما) [3]

يفهم منه عدم جواز الاجتهاد في الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة والبداهة والتي ثبتت بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، مثل وجوب الصلوات الخمس والصيام والزكاة والحج والشهادتين وتحريم جرائم الزنا والسرقة وشرب الخمر والقتل وعقوباتها المقدرة لها، مما هو معروف من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم القولية أو العملية، ومثلها الكفارات المقدرة وكل ما وجد فيه دليل

(1) قال تعليقا على ما نقله من قول الغزالي بان الترجح في الآراء إنما هو بحسب ما طبع عليه شخص شخص من الميل في حكم حكم، ونازلة نازلة: (والقول بمثل هذا كبيرة ومصير إلى التحكم في الشرع بالأهواء والإرادات، نعوذ بالله من ذلك) (الضروري: 140) وهو أسلوب غريب عن ما عهدناه في"البداية"وقد يكون بسبب حماس الشباب أو من مخلفات الخلاف الفلسفي والكلامي بينه وبين الغزالي، وإلا فحديث الغزالي لا يعني أي شخص شخص وإنما المجتهد الذي فصل شروطه في"المستصفى"وليس أي ميل ميل وإنما غلبة الظن أو ما يشبه الذوق الذي سيتحدث عنه ابن رشد في"البداية".

(2) من ذلك قوله: في وطء الحائض في طهرها وقبل الاغتسال: (وليس في طباع النظر الفقهي أن ينتهي في هذه الأشياء إلى أكثر من هذا فتأمله وفي مثل هذه الحال يسوغ أن يقال كل مجتهد مصيب) بداية المجتهد ج: 1 ص: 42 - 43

وقوله في اختلاف الفقهاء في رد السلام وتشميت العاطس أثناء خطبة الجمعة: (وهذا كله إذا تساوت الأوامر فيها في مفهوم التأكيد فإن اختلفت حدثت من ذلك تراكيب مختلفة ووجبت المقايسة أيضا بين قوة الألفاظ وقوة الأوامر ولعسر انضباط هذه الأشياء قيل إن كل مجتهد مصيب أو أقل ذلك غير مأثوم) بداية المجتهد ج: 1 ص: 118

وقوله في الخلاف الواقع في القليل من الأنبذة الذي لا يسكر: (وأما إذا كان ظاهر اللفظ محتملا للتأويل فهنا يتردد النظر هل يجمع بينهما بأن يتأول اللفظ أو يغلب ظاهر اللفظ على مقتضى القياس وذلك مختلف بحسب قوة لفظ من الألفاظ الظاهرة وقوة قياس من القياسات التي تقابلها ولا يدرك الفرق بينهما إلا بالذوق العقلي كما يدرك الموزون من الكلام من غير الموزون وربما كان الذوقان على التساوي ولذلك كثر الاختلاف في هذا النوع حتى قال كثير من الناس كل مجتهد مصيب) بداية المجتهد ج: 1 ص: 347

وقوله في اختلاف قول مالك في إجازة السلف والشركة: (فمن قويت عنده علة المنع في مسألة منها منعها ومن لم تقو عنده أجازها وذلك راجع إلى ذوق المجتهد لأن هذه المواد يتجاذب القول فيها إلى الضدين على السواء عند النظر فيها ولعل في أمثال هذه المواد يكون القول بتصويب كل مجتهد صوابا ولهذا ذهب بعض العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير) بداية المجتهد ج: 2 ص: 124

وأما عن أخذه أحيانا بمبدأ التخيير فقوله: (وقد ذهب كثير من الفقهاء إلى أن هذا كله على التخيير كالأذان والتكبير على الجنائز وفي العيدين وفي غير ذلك مما تواتر نقله وهو الصواب والله أعلم) بداية المجتهد ج: 1 ص: 94

(3) المستصفى: ج2/ 354.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت