فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 979

قاطع من الأحكام (فإنه إذا ظفر فيه بالدليل حرم الرجوع إلى الظن) [1] ومن هنا يأثم المخالف لما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع لأنها ليست محل اجتهاد، شأنها شأن ما يجب فيه الاعتقاد الجازم من أصول الدين، يقول الشاطبي:

(والقطعي ليس محلا للاجتهاد لأنه قسم الواضحات) [2] .

وقد ألمح ابن رشد في"البداية"إلى أن أمور الآخرة ليست مجالا للاجتهاد بمعناه الأصولي وليس بمعنى العمل، يقول في مسألة من تجب عليه الطهارة: (واختلف الفقهاء هل من شرط وجوبها الإسلام أم لا وهي مسألة قليلة الغناء في الفقه لأنها راجعة إلى الحكم الأخروي) [3] ويلحق بذلك عنده ما كان على سبيل التعبد، أي غير معقول المعنى: حيث لا يصلح فيه الاجتهاد لغياب ظهور المعنى الذي يعتبر في الاجتهاد. فالاجتهاد يصلح ويكون أنسب ما كان جاريا من الفقه على المعاني.

يقول في مسألة اختلافهم في إزالة النجاسة بما عدا الماء فيما عدا المخرجين: (ولو راموا الانفصال عنهم بأنا نرى أن للماء قوة إحالة للأنجاس والأدناس وقلعها من الثياب والأبدان ليست لغيره ولذلك اعتمده الناس في تنظيف الأبدان والثياب لكان قولا جيدا وغيره بعيد، بل لعله واجب أن يعتقد أن الشرع إنما اعتمد في كل موضع غسل النجاسة بالماء لهذه الخاصية التي في الماء ولو كانوا قالوا هذا لكانوا قد قالوا في ذلك قولا هو أدخل في مذهب الفقه الجاري على المعاني وإنما يلجأ الفقيه إلى أن يقول عبادة إذا ضاق عليه المسلك مع الخصم) [4]

2_ ما يجوز فيه الاجتهاد:

2_1 الاجتهاد في"نطاق النص"

فالاجتهاد في نصوص الكتاب والسنة يكون بحسب طبيعتها:

أ_ إذا كان النص [ظني الثبوت] فلا خلاف في ضرورة الاجتهاد في"ثبوت"هذا النص، بالبحث في سنده وطريق وصوله إلينا، ودرجة رواته من العدالة والضبط. إذ (ليس كل خبر يجب العمل به) [5] كما قال ابن رشد.

ب _ إذا كان النص [ظني الدلالة] فلا خلاف في ضرورة الاجتهاد في"دلالة"هذا النص، بالبحث في معرفة المعنى المراد من النص، وقوة دلالته على المعنى، فربما يكون النص عاما وقد يكون مطلقا، وربما يرد بصيغة الأمر أو النهي .. فالاجتهاد فيه يكون باستهلاك طاقاته في كافة دلالته عل معانيه، ولا سيما

(1) الامام الزركشي، البحر المحيط، ج8/ 265.

(2) الموافقات ج4/ 113.

(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 5 أقول: وإن كنت أستغرب اعتبار ابن رشد مسألة شرط الإسلام في الوضوء وغيره من أمور الآخرة، والحال أن التكاليف الشرعية منوطة بظاهر إسلام الناس، وهو أمر دنيوي يستوي فيه الصادقون والمنافقون، ويقع به التمييز بين هؤلاء جميعا وأهل الذمة في الأحكام. فلو قال مثل ذلك في الإيمان لكان له وجه، غير أن الفقهاء لا يذكرونه باعتباره أمرا باطنا يوكل إلى الله - عز وجل - أمره. وقد يكون لاعتراض ابن رشد وجه إذا اعتبر المسألة من باب هل يخاطب الكفار بالفروع، فهي كما قال: قليلة الغناء في الفقه وخصوصا في بعض أبوابه المتعلقة بالعبادات.

(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 61

(5) الضروري: ص: 72

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت