ويفقه معانيها. وذلك بجمع الأحاديث الواردة والثابتة في موضوع بعينه وتدبر العلاقة بينها ويبين عامها بخاصها ويحمل مطلقها على مقيدها ويوضح مجملها بمفصلها ومبهمها بمفسرها كما يربطها بالقرآن الكريم [1] . ومن المهم جدا معرفة أسباب ورود الحديث لأن السنة كثيرا ما تأتي لعلاج قضايا خاصة وأوضاع معينة يتغير الحكم بتغيرها ...
ج- العلم بمواضع الإجماع:
بأن يعرف جميع المسائل المجمع عليها، حتى لا يفتي بخلافها، وكل مسألة يفتي فيها ينبغي أن يعلم أن فتواه ليست مخالفة للإجماع [2] ويتحقق من ذلك (إما بأن يعلم أنه موافق مذهبا من مذاهب العلماء أيهم كان، أو يعلم أن هذه واقعة متولدة في العصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض) [3] وقد جمعت مواضع الإجماع في بعض الكتب مثل"مراتب الاجماع"لابن حزم و"الاجماع"لابن المنذر، مع العلم أن كثيرا مما ادعي فيه الإجماع من مسائل الفقه قد ثبت فيه الخلاف .. فمثلا عند المالكية أثبت الحطاب (ت954هـ) في"مواهب الجليل شرح مختصر خليل"أن بعض المتأخرين من علماء المذهب (حذورا من إجماعات ابن عبد البر واتفاقات ابن ر شد وخلافيات الباجي) [4]
كما أن هناك من يرى أن من الإجماع ما يقبل المراجعة بإجماع جديد، وخصوصا إذا بني على عرف تبدل أو مصلحة تغيرت، وكذلك من أضاف العلم بمواضع الخلا ف لمالها من أهمية في تكوين ملكة الفقه والإ طلاع على مدار كه ومسالك الاستنباط فيه [5] .
3_1_2_شروط الفهم وا لاستنباط.
أ- العلم بالعربية:
يقول ابن رشد في"البداية"بأنه وضع كتابه لبلوغ مرتبة الاجتهاد، لمن حصل شروطا من ضمنها (ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو واللغة) [6] وأشار إلى ذلك أيضا في كتابه"الضروري في أصول الفقه"عند حديثه عن شروط الاجتهاد حيث قال: (فينبغي أن يكون عنده من علم اللغة واللسان ما يفهم به كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا يلحن) [7]
فلا بد للمجتهد من علوم العربية: من بلاغة ونحو وصرف ومعان وبيان وأساليب، بالقدر الذي يفهم به خطاب العرب وعاداتهم في الاستعمال. إلى حد يميز فيه: بين صر يح الكلا م وظاهر هـ، ومجمله وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه ... ذلك أن القرآ ن الكريم قد نزل بلسان عر بي مبين والسنة قد نطق بها رسول عربي أوتي جوامع الكلم، ولا يمكن استنباط الأحكام منهما إلا بفهم كلام العرب إفرادا وتركيبا ومعرفة معاني اللغة العربية وخواص تراكيبها ... ومعرفة دلالات الجمل ما كان منها على سبيل الحقيقة وما كان على سبيل المجاز والكناية ودلالات التقديم والتأخير والحذف والحصر ..
و (ولا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد، وأن يعرف جميع اللغة وأن يتعمق في النحو، بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك حقائق المقاصد منه) [8] بحيث تثبت له ملكة يستحضر بها كل ما يحتاج اليه عند وروده عليه ويتمكن من تفسير ما ور د في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه، ومعرفة كيفية الاستفادة من مؤلفات الأئمة المشتغلين بذلك واستخراج ما يقصد إليه، حتى ينظر في الأدلة نظرا صحيحا، ويستخرج منها الأحكام استخراجا قويا، ويرجع في أحكام الألفاظ ومعانيها إلى رواية الثقة وما يقوله الأئمة.
وإذا وقع نزاع في معنى توقف عليه فهم نص شرعي، تعين عليه حينئذ بذل الوسع في معرفة الحق في ذلك الا ختلاف، ولا يسوغ له أن يعمل على أحد المذاهب النحوية أو البيانية في تقرير حكم إلا أن يستبين له رجحانه بدليل .. والمهم (أن يحس المجتهد من نفسه أنه أصبح قادرا على تذوق كلام العرب وفهمه والغوص في معانيه، بمثل ما كان عليه العربي الأول بسليقته وسلامة فطرته، قبل أن يستعجم الناس ويفسد اللسان والذوق) [9]
فالشريعة عربية لا يفهمها حق الفهم الا من فهم العربية، وإذا (فرضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدىء في فهم الشريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة( ... ) فان انتهى الى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة) [10] ويخفف من هذه الصرامة ما سبق أن ذكرته في شرط العلم بالحديث ورجاله، في الاستفادة من وسائل العلم الحديثة في البحث. فلا يعذر المجتهد في ضبط ألفاظ ما عليه سيبني الأحكام.
ب العلم بأصول الفقه:
فقد ذكر ابن رشد ضمن شروط المجتهد في"البداية"تحصيله (صناعة أصول الفقه) [11] غير أنه في"الضروري"لم يذكره صراحة ضمن الشروط المعتبرة في المجتهد. وإنما ألمح إليه بقوله: (أن يكون عارفا بالأصول التي يستنبط عنها، وأن تكون عنده القوانين والأحوال التي بها يستنبط) [12] وقد فصل قليلا في الأصول بما سبق ذكره في العلم بالكتاب والسنة والإجماع، ولم يذكر من الآلات والقوانين والأحوال التي بها يستنبط سوى علم اللغة واللسان. وإن كان في كتابه ذكر أن
(1) يوسف القرضاوي"الاجتهاد في الشريعة الاسلامية"ص28.
(2) الضروري: ص: 138
(3) المستصفىج2/ 351.
(4) -"مواهب الجليل في شرح مختصر خليل"ج: 1 ص: 522 - ط 2 - 1398هـ-دار الفكر-بيروت
(5) يوسف القرضاوي"الاجتهاد في الشريعة الاسلامية"ص39.
(6) بداية المجتهد ج: 2 ص: 147
(7) الضروري: ص: 138
(8) المستصفىج2/ 253.
(9) يوسف القرضاوي"الا جتهاد في الشريعة الاسلامية"ص35.
(10) الشاطبي الموافقات م2/ج4/ 83.
(11) بداية المجتهد ج: 2 ص: 147
(12) الضروري: ص: 138