الصحابة لم يكن لهم من حاجة إلى هذا العلم بشكله الاصطلاحي المدرسي كما عرفه من بعدهم وإنما يمارسونه بالقوة كحال الأعراب الفصحاء من غيرما حاجة (إلى قوانين تحوطهم في كلامهم ولا في أوزانهم) [1] .
كما أنه من ناحية أخرى لا يكاد يعترف بمصطلح"أصول الفقه"علما على جميع محتوياته، فقد أقصى منه صراحة مباحث علم المنطق، ولم يجار الغزالي الذي (أداه إلى القول في ذلك نظر المتكلمين في هذه الصناعة) [2] واعتبر إطلاق"أصول الفقه"على النظر في الأحكام، وفي أصول الأحكام، وفي الاجتهادوالتقليد. إنما هو تجوز في العبارة حيث (لقبوا هذه الصناعة باسم بعض ما جعلوه جزءا لها، فدعوها بأصول الفقه) [3] فأصول الفقه على الحقيقة عند ابن رشد هو ما تناوله في الجزء الثالث في كتابه: أي القول في النص والمجمل، والظاهر والمؤول، والألفاظ الخاصة، ودلالات الألفاظ بمفهومها، والأوامر والنواهي، والقول في القياس وفي الإقرار وفي الفعل. فهذه المباحث (وهذا الجزء هو الذي النظر فيه أخص بهذا العلم) [4] .
وربما يكون قد استعاض عن ذلك كله بما ذكره في مقدمة الكتاب عن أهمية علم أصول الفقه حيث اعتبره سبارا وقانونا بمثابة البركار الذي يعصم المجتهد من الغلط وهو يتعامل مع العلوم الكلية كالأصول أو الفروع الفقهية. يقول في هذا الصدد بأن معرفة هذا العلم: (تعطي القوانين والأحوال التي بها يتسدد الذهن نحو الصواب في هاتين المعرفتين , كالعلم بالدلائل وأقسامها , وبأي أحوال تكون دلائل وبأيها لا. وفي أي المواضع تستعمل النقلة من الشاهد إلى الغائب وفي أيها لا. وهذه فلنسمها سبارا وقانونا, فإن نسبتها إلى الذهن كنسبة البركار والمسطرة إلى الحس في مالا يؤمن أن يغلط فيه) [5]
وقد ذكر الامام الجويني قبله ما أجمع عليه العلماء من أوصاف تخص المجتهد. منها علمه بأصول الفقه. فقال: (أن يكون عالما بطرق الأدلة ووجوهها التي منها تدل، والفرق بين عقليها وسمعيها ويكون عالما بقضايا الخطاب ما يحتمل منه وما لا يحتمل، ووجوه الاحتمال والخصوص والعموم والمجمل والمفسر والصريح والفحوى .. والجملة الجامعة( ... ) أن يكون عالما بأصول الفقه) [6]
فبعلم الأصول يستبين مراتب الأدلة والحجج، فهو سراج ينير الطريق للفقيه، ومنهاج يدرك من خلاله مغزى الأحكام المستنبطة، وأداة لإصدارها من جديد، فهو عماد الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركانه، فعلم المجتهد بما عرض له الأصوليون من أسس وقواعد تهديه إلى النظر الصحيح والاستنباط السليم. وتجنبه الخطأ فيهما سواء أكان ذلك له سليقة كما كان الشأن في الصحابة الذين عرفوا هذه الأمور
(1) الضروري: ص: 35
(2) الضروري: ص: 37
(3) الضروري: ص: 36
(4) الضروري: ص: 101
(5) الضروري: ص: 35
(6) الإمام الجويني"كتاب الا جتهاد"ص125، تحقيق د. عبد الحميد أبو زيد.