فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 979

4 -2 - المجتهد ومسألة تجزيء الاجتهاد:

قال ابن رشد بعد ذكرالشروط الواجبة في حق المجتهد (وهذه الشرائط بالجملة إنما هي في حق المجتهد بإطلاق الذي تمكنه الفتوى في كل نازلة، وأما من لم تكن عنده كل هذه الشرائط، وكان عنده بعضها، وكانت المسألة المنظور فيها يكفي فيها ما عنده من تلك الشرائط، جاز له الاجتهاد فيها. لأن نسبته الى هذه المسألة نسبة المجتهد بإطلاق لجميع المسائل) [1] . يستفاد من النص أن ابن رشد من القائلين بأن الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام.

اذ يمكن أن يكون المجتهد مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره، ويمكن أن يكون مجتهدا في باب من أبواب الفقه كالفرائض مثلا أو البيوع مقلدا في غيرها وهو مذهب جمهور الأصوليين بخلاف قلة منهم ذهبوا الى عدم جواز ذلك لأن

(المسألة في نوع من الفقه ربما كان أصلها في نوع آخر منه) [2] . والراجح قول الجمهورمع الاحتياط للأمر بتوفرالقدرالضروري من شروط الاجتهاد أو بالأحرى ما يكفي في المسألة موضع البحث بحيث يتم استفراغ الوسع في دراسة المسألة دراسة مستوعبة بحيث يحيط بها من جميع جوانبها ومعرفة متعلقاتها في الأبواب الأخرى.

وهو المناسب في مثل ظروفنا الحاضرة حيث فتور الهمم وتشعب العلوم، بل هو النافذة التي استطاع بها العلماء تخفيف غلواء ادعاء الكثيرين من المقلدة سد باب الاجتهاد، نزولا تحت عامل الضرورة أو الحاجة التي تصادف العلماء في كل زمان للإفتاء في حكم الحوادث المستجدة .. كما أن تجزؤ الاجتهاد يشبه ما عرفه عصرنا من أنواع التخصص الدقيق الذي تتقدم به العلوم فنجد في القانون مختصين في الجانب المدني والجنائي والاداري أو الدولي

فمما يناسب واقعية الاسلام أمام ندرة المجددين الكبار الجامعين لشروط الاجتهاد المطلق وقبول ثمرات الاجتهاد الجزئي القائم على أسس علمية ومنهجية سليمة. ولعل في بعض أطروحات الدراسات الجامعية العليا، لونا من هذا الاجتهاد الجزئي، بحيث يقصد فيها دراسة موضوع أو قضية معينة، واستيعابها من كل جوانبها وبيان الحكم فيها (وكثيرا ما تؤدي إلى نتائج علمية لها قيمتها عند أهل الذكر) [3] .

وفي إمكان المتخصصين من مختلف العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية المتمكنين دراسة ما يتعلق بتخصصهم في الفقه الإسلامي والمصادر الإسلامية - دراسة مستوعبة - والخروج باجتهادات في تلك المجالات .. ولا يمكن النجاح بشكل أكبر إلا بإزالة هذه الثنائية بين كليات الشريعة والدراسات

(1) الضروري في أصول الفقه ص/138.

(2) وهبة الزحيلي"أصول الفقه الاسلامي"ج2/ 175.

(3) يوسف القرضاوي"الاجتهاد في الشريعة الاسلامية"ص62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت