تعصم الذهن من الخطأ في الفكر. ولا أحد يرى الآن ضرورة ذلك بل هناك من يدعو إلى تعويضه ب (مناهج البحث العلمي) [1] . كما نفهم أيضا من بعض الوجوه اشتراط الإمام الشاطبي معرفة"علم المقاصد"استجابة لواقع اشتغل فيه الأصوليون بالمباحث اللفظية واشتغل الفقهاء بالأحكام الجزئية وغفلوا عن المقاصد وظهرت الحيل الفقهية .. فالذي يظهر أن بعض شروط الاجتهاد قد تكون متحركة تجب في زمان دون غيره وأخرى ثابتة منها مقاصد الشريعة التي بقيت على الدوام من لوازم الاجتهاد ولو بشكل ضمني بديهي.
هـ شروط مكملة في الفهم والاستنباط.
يذكر العلماء بعض الشروط المفيدة في الفهم والاستنباط، ولعل مراعاة الشرطين الأخيرين: (المقاصد وأحوال الناس) ، يحقق شيئا من ذلك. فهم يشترطون أن يكون المجتهد، جيد الفهم، نير البصيرة، سليم التقدير، ذا عقلية متهيئة لعلم استنباط الأحكام من الأدلة: أي على نصيب من الفطنة والذكاء وتوقد الذهن وجودة الملاحظة ورصانة الفكر وحضور البديهة، وعموما ما يسميه البعض ب"فقه النفس"والذي (لا يتأتى كسبه، فإن جبل على ذلك فهو المراد، وإلا فلا يتأتى تحصيله بحفظ الكتب) [2] . ومن المكملات التي ذكرها بعض الأصوليين: معرفة الفروع الفقهية، باعتبار أن منصب الاجتهاد يحصل ـ كما يقول الغزالي ـ في زماننا بممارسته، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان .. ) [3] .
3 -2 - الشروط الشخصية:
أولا: البلوغ والعقل باعتبارهما مناطا للتكليف ومن لا يستقل بالنظر في مصالحه كيف ينظر في مصالح الخلق.
ثانيا: الاسلام فلا يعقل اجتهاد الكافر للمسلمين.
ثالثا: العدالة والتقوى: وهي شرط لقبول اجتهاد المجتهد وفتواه عند المسلمين، فإذا كانت العدالة مطلوبة فيمن يشهد على الناس في معاملات دنيوية جزئية، فكيف بالذي يشهد على الله عز وجل أنه أحل أو حرم أو أوجب أورخص أو صحح أو أبطل. فالمطلوب من المجتهد تجنب جميع المعاصي القادحة في العدالة، وأن يتحرى الاخلاص وسلامة المسلك والعفة والورع وقول الحق والجرأة فيه.
نقل ابن القيم عن الامام أحمد أنه قال: (لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها أن يكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة والثالثة أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته والرابعة: الكفاية(أي من العيش) وإلا مضغه الناس، والخامسة: معرفة الناس) [4] وأما أهل الفسق والعصيان فقلما يوفقون إلى صواب لأن الوحي (لا ينال معانيه ويفهمه كما ينبغي إلا القلوب الطاهرة) [5] .
4 -المجتهد بين المثالية والواقعية.
4 -1: المجتهد ومسألة الخطأ والصواب:
وقع خلاف عريض في التصويب والتخطئة في الاجتهاد في المسائل الفرعية بين المصوبة الذين يقولون بأن كل مجتهد مصيب في اجتهاده، والمخطئة الذين يقولون إن المصيب في اجتهاده واحد من المجتهدين وغيره مخطىء. لأن الحق لا يتعدد. وأجمعوا على أن المصيب له أجران والمخطىء له أجر واحد لتحريه الصواب وطلبه إياه شرط توفره على الشروط وبذله الوسع.
وفصل البعض القول فذكر أن الوقائع الشرعية خمسة أقسام:
-ما فيه نص صريح فالمصيب فيه واحد.
-ما لا نص فيه ولكن يدل النص عليه ومهما تعين المطلوب كان مصيبه واحد.
-ما لم يتعرض له الشرع، وللخلق فيه مصلحة فالمصيب ما كان أصلح للعباد.
-ما ليس للشرع فيه حكم معين والآراء فيه متكافئة ومتساوية في الصلاح فكل مجتهد مصيب مثل اختلاف قسمة العطاء زمن أبي بكر وعمر.
-إذا كانت المسألة تدور بين نصين متعارضين فحكم الله فيه الأصلح إن كان معقول المعنى، أو الأخذ بالأشبه إذا لم يكن معقول المعنى، وإذا تساويا فكل واحد من القولين صواب. (فان المباحات كلها إنما سوى الشرع بين فعلها وتركها لتساويهما عنده في صلاح الخلق. وكذلك سائر أحكام السياسات وجميع مسائل تقابل الأصلين يكاد يكون من هذا الجنس إذ قلما يكون فيها ترجيح) [6] .
-وفائدة الخلاف بين المصوبة والمخطئة هو أن هذا الخلاف على المستوى النظري، يمكن أن يتحول على المستوى العملي والفعلي إلى تضافر الجهود لترشيد الاجتهاد في الفهم فيؤدي رأي المخطئة إلى المزيد من أسباب الحيطة وإفراغ الوسع في النظر لعدم السقوط في الاثم، ويؤدي رأي المصوبة الى رفع التهيب من الاجتهاد في الفهم والاستنباط .. وربما يكون هذا الموقف الأخير أجدى من الناحية العملية في تطوير مجال الاجتهاد، والملاحظ أن فكرة التصويب كانت أكثر رواجا عند الأقدم زمنا وفكرة التخطئة راجت عند المتأخرين (لأنها أكثر تلاؤما في طبيعتها مع التقليد) [7] .
(1) من بينهم الدكتور يوسف القرضاوي المرجع السابق، ص/53.
(2) الإمام الجويني"البرهان"ج2/ص1330.
(3) المستصفى ج2/ص353.
(4) إعلام الموقعين ج4/ 199.
(5) نفس المرجع السابق ج1/ 226.
(6) الزركشي البحر المحيط. ج_/301 - 303.
(7) عبد المجيد النجار في"فقه التدين"ج1/ 88.