فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 979

أطباء. إذ قد لا يفيد (كثيرا كثرة الصيادلة ومعامل الدواء، إذا انعدم وجود الأطباء، لأن ذلك قد يؤدي إلى وضع الدواء في غير محله فيهلك المريض من حيث يراد له الشفاء والنجاة) [1] .

ومن هنا يستغرب سكوت الأصوليين عن هذا الشرط إلا من إشارات عابرة في غير موضع الحديث عن شروط الاجتهاد، في حين أن الشافعي رحمه الله الذي يعتبر رائد هذا الميدان، لم يفته التأكيد على هذا الأمر، غير أن إشاراته لم تلق نفس العناية التي حظيت بها باقي الشروط التي درست وأنضجت حتىكادت تحترق وأدخلت أحيانا في طور استحالة التحقق.

فهو يقول في"الرسالة"بالإضافة إلى ما صدرنا به حديثنا عن الشروط: (لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم ولا خبرة له بسوقه) (3) فإذا كان هذا في قيمة درهم فكيف في مصير ثروات الأمة وأعراضها ومصالحها الكبرى، بل إن الشافعي رحمه الله يشترط المتابعة الدائمة للتغيرات وتطورات الأمور إذ لا يقبل من الفقيه الذي غاب عن معرفة أحوال السوق سنة واحدة، أن يفتي، فكيف بمن يغيب عن هموم الأمة دهرا ثم يطلع عليها بفتوى من بطون الكتب بغير أن يكون له أدنى إلمام بالواقعة التي يريد الحكم فيها.

يقول الامام الشافعي: (لا يجوز لعالم بسوق سلعة منذ زمان ثم خفيت عنه سنة، أن يقال له: قوم عبدا من صفته كذا وكذا لأن السوق تختلف، ولا لرجل أبصر بعض صنف من التجارات، وجهل غير صنفه، والغير الذي جهل لا دلالة له عليه ببعض علم الذي علم: قوم كذا، كما لا يقال لبناء: انظر قيمة الخياطة! ولا لخياط انظر قيمة البناء) [2] . فهو لم يورد هذا في معرض حديثه عن فروع فقهية، وإنما في معرض الحديث عن شروط الاجتهاد لكي تراعى في تنزيل الأحكام.

وكذلك الشأن كان يوم ازدهار سوق الاجتهاد، حيث كانت اجتهادات الصحابة رضوان الله عليهم في خضم بنائهم لواقعهم الذي بلورته الفتوح، والاستفادة مما عند غيرهم من الأمم من فنون الادارة وغيرها من المستجدات. وكان أبو حتيفة يعيش حياة السوق في العراق، ويجادل الفرق في البصرة، وجعل مالك من واقع الناس في المدينة أصلا تشريعيا، وكان للشافعي مذهبان لم يكن دواعي اختلافهما في الأغلب الأعم سوى اختلاف الواقع بين العراق ومصر. وكان الامام أحمد مشاركا في الصراع الفكري الدائر حول"مسألة خلق القرآن"حيث سجل موقفا بطوليا في وقوفه في وجه تلك البدعة ..

وفي هذا السياق أفهم إدراج بعض الأصوليين لعلمي المنطق والكلام، ضمن شروط الإجتهاد باعتبارهما من بعض الوجوه من المكونات الفكرية والثقافية في الحضارة الاسلامية لمدة طويلة من الزمن .. وكانوا يرون في المنطق آلة قانونية

(1) عبد المجيد النجار"فقه التدين"ص18ـ19.

(2) الإمام الشافعي"الأم"ج: 7 ص: 302 - ط: الثانية - 1393 - دار المعرفة- بيروت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت