مختلفة: نفسية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية، فمن لوازم الاجتهاد الاستيعاب المعرفي الشامل للواقع المجتهد فيه.
ولا يكون ذلك إلا بامتلاك آليات فهمه التي تتمثل من جهة في العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تساعد في فهم الواقع في جانبه الاجتماعي فيقف المجتهد على بنية الترابط الاجتماعي وطبيعة التنظيمات الاجتماعية، ونوعية مشاكل البنية الأسرية. وفي الجانب الاقتصادي يطلع على نظام الإنتاج والتوزيع والاستهلاك ... وفي الجانب السياسي يعرف طبيعة الحكم (القائم ونظامه ومؤسساته .. وفي الجانب الثقافي يطلع على أنماط التعبير الفني وغيرها التي ينتهجها الناس في تصوير آمالهم وآلامهم وأفراحهم وأتراحهم ومعرفة الوضع الفكري والنفسي العام وطبيعة التيارات والأفكار التي لها نفوذ في المجتمع.
فيتحتم عليه معرفة قدر من علوم النفس والتربية والتاريخ والقوانين .. وقدرا من العلوم الكونية والمعارف"العلمية"التي تشكل أرضية ثقافية لازمة في زمانه إذ كيف يفتي في أمور يجهلها، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره. ولا يخفى أن الحد الأدنى في ذلك هو ضبط المجال الذي له صلة باجتهاده إن كانت في الطب سأل عنها أهل الاختصاص حتى يطمئن إلى إحكام جوانبها وكذلك الشأن في الاقتصاد وغيره.
ثم لابد في جانب آخر من معايشة الناس والتعامل معهم والوقوف على مشاكلهم والمساهمة الواقعية في مناشطهم، واستخدام أدوات الرصد والتحليل الممكنة والمتاحة في زمانه مثل الاستعانة بعلم الإحصاء، إذ من لا يعرفه لا يستطيع مثلا: (ترجيح رأي في الطلاق على رأي آخر باستقراء مدى النتائج التي تؤدي اليها فتواه وخطورتها وأثرها على سلامة الأمة واستقرارها وعلى سائر مصالح المجتمع) [1] ، كما أنه بغير علم الاقتصاد (لا يتمكن الناظر من تقرير رأيه في الحاجة للنفقات في قوانين الأحوال الشخصية أو في مداها فضلا عن الافتاء في الأوضاع والأحكام المالية في الدولةالاسلامية) [2]
وبسبب من تبحر في الاختصاصات وتوسع في العلوم وتعقد في تركيب المجتمعات وتشابك في العلاقات لابد من التقدم باتجاه إقامة مؤسسات ومراكز للبحوث والدراسات تشمل أهل الاختصاص الأمناء من كل فن، إلى جانب المجتهدين، لبناء العقل الجماعي المؤسسي الذي يمتلك نوافذ الرؤية من الجهات كلها وفي العلوم كلها، ووجود فقهاء المجتمعات وفقهاء التربية وفقهاء التخطيط وفقهاء استشراف أفاق المستقبل وفقهاء الحضارة عامة [3] ، من أجل تيسير سبل اجتهاد راشد فعال.
فوجود حفاظ للكتاب والسنة ومواضع الاجماع والعربية وأصول الفقه ومقاصد الشريعة، بغير علم بواقع الحياة ومعرفة بأحوال الناس مثل وجود صيادلة بغير
(1) حسن الترابي،"تجديد أصول الفقه"ص33.
(2) حسن الترابي،"تجديد أصول الفقه"ص33.
(3) عبد المجيد النجار"فقه التدين"ص18ـ19.